التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     وزارة الخارجية الإسرائيلية     وزيرة الخارجية     تصريحات ومقابلات     كلمة ليفني في مؤتمر دولي بمناسبة مرور 60 سنة على استقلال دولة إسرائيل 26032008

ليفني: "أتوقع من المجتمع الدولي أن يعرف كيف يميز بين إسرائيل والإرهاب"

26 آذار / مارس 2008

كلمة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني في مؤتمر دولي بمناسبة مرور 60 سنة على استقلال دولة إسرائيل

  
  

فلاش 90

لكي نفهم ماهية المشاكل التي نواجهها, علينا التحدث عن الحقوق الشرعية لدولة إسرائيل, وأن نضيف ربما – حقوق دولة إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي. لأنه يبدو أن المشاكل التي نواجهها, لا تتعلق فقط بوجود دولة إسرائيل كجزء من المجتمع الدولي,  وإنما تتعلق أيضا وبشكل خاص بحق دولة إسرائيل في الوجود بصفتها الوطن القومي للشعب اليهودي.  
  لقد كان من الواضح حتى قبل قيام دولة إسرائيل, وقبل قبولها كعضو في الأمم المتحدة, بأن الحركة الصهيونية والشرعية الدولية التي حظيت بها, إن كنا نتحدث بمفاهيم وعد بلفور, قد كانت تتحدث عن الحقوق القومية من خلال التعبير عن مظاهر السيادة. هكذا كان الحال أيضا عام 1947 حين حاولت الأمم المتحدة إيجاد حل للصراع الإسرائيلي – العربي, إذ أن القرار يتحدث بمفاهيم إيجاد حل من خلال إقامة دولتين قوميتين, الأولى هي الدولة اليهودية والثانية هي الدولة العربية, وهكذا أيضا بدت هذه الأمور البديهية -  معنى ذلك أن للشعب اليهودي الحق بتقرير مصيره في دولته الخاصة.  ومكان  ذلك هو أرض إسرائيل, الوطن التاريخي للشعب اليهودي الذي يملك فيه حقوقا قومية وتاريخية وأخرى, ولذلك ومن الطبيعي فقط بأن تقام دولة يهودية في أرض إسرائيل. وهذا ما فعلناه في وثيقة الاستقلال, إذ قمنا بتعزيز هذه المقولة, ومنذ ذلك الحين بعد أن قيلت الأمور البديهية وتقررت وتم التصويت عليها, فإن الأمور التي كانت بديهية آنذاك لم تعد بديهية اليوم. وإذا كنا نتحدث عن التحديات التي يتوجب علينا مواجهتها, فإن هذا هو أكبر تحدٍ في نظري ستواجهه دولة إسرائيل على المدى القريب. 
  من المهم قبل كل شيء أن نقول لأنفسنا كمجتمع, ما نحن, لأنه يتوجب علينا أن نسوق ذلك للخارج, ولذلك من المهم وطوال الوقت أن يكون لنا كمجتمع داخل دولة إسرائيل هدف أعلى مشترك لنا جميعا, وهو بقاء دولة إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي وكدولة ديمقراطية, مع دمج القيم اليهودية والديمقراطية ببعضها البعض, دون أن تتصادم مع بعضها. دولة  تعيش بأمان, ومن المحبذ طبعا بسلام مع جيرانها, في أرض إسرائيل. 
  إني أكرر هذا النص البديهي لأجلنا داخليا, لأن هناك عمليات علينا الحفاظ عليها داخل الوطن, داخل المجتمع الإسرائيلي, بحيث تحافظ طوال الوقت على قيم ومبادئ دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية, لكن هذا يؤثر أيضا على صراعنا تجاه الخارج. 
  يتوجب علينا أن نكون صريحين وأن نقول لأنفسنا ما يحدث في الخارج. حتى  لو لم يتم قول الأمور بصوت عال, هناك عملية تحت السطح تحاول تجريد دولة إسرائيل من شرعيتها بصفتها الوطن القومي للشعب اليهودي. وإذا  لم نقل ذلك بصوت عال, لا يمكننا مواجهة هذا الأمر.
 في بعض الحالات يتم الأمر في مناقشات هي بالواقع مناقشات مجردة, مناقشات في الجامعات, ومناقشات نظرية حول كنه الدولة القومية, وهل دولة إسرائيل هي حقا دولة من حقها أن تعيش بأمن وأمان. وحول هذا الأمر, بالمناسبة, لا يختلف اثنان, أو ربما أن الموضوع القومي يمكنه أن يكون جزءا من المواضيع, أو من القيم التي تستحق حماية دولية عند الحديث عن دولة إسرائيل أيضا.    
  قد يكون الأمر مجرد عدم  معرفة.  وقد يكون هذا أحد المراسلين الذي يسألني خلال أو في نهاية مقابلة قائلا, ما هي بالواقع الدولة اليهودية, فاليهودية هي دين. ومن أين تدخلون فجأة الموضوع القومي, وما هي الصلة بين دولة إسرائيل وهذه المسألة, إذ يمكن للمرء أن يكون يهوديا في كل مكان في العالم. 
 نحن نمر بعمليات خلالها, إذا كنا نتحدث بالمفاهيم الأوروبية التي تسعى إلى فتح الحدود وأحيانا إلى طمس المفاهيم القومية من منطلق الشعور بالتجديد, وهذا يؤثر على التعامل معنا أيضا, وسوف أتطرق إلى مثال واحد بسيط جدا لكي نقول لأنفسنا هذه الحقيقة.
 حين تسلمت حكومة حماس زمام السلطة, وحين حددت الرباعية الدولية الشروط التي يتوجب على كل حكومة فلسطينية استيفائها, وطالبت بالاعتراف بحق إسرائيل في البقاء كدولة يهودية, وسوف أضع الآن هاتين الكلمتين مع علامة استفهام, لكني أسأل نفسي بشان الكلمتين التي كنا نضيفهما إلى هذه الجملة, الاعتراف بحق إسرائيل في البقاء كدولة يهودية, هل كان العالم مستعدا حقا لكي نضيف هاتين الكلمتين للمطلب من كل حكومة فلسطينية.  إني أضع علامة استفهام  بشأن ذلك, لكن هذا جزء من الأمور التي يتوجب علينا مواجهتها, لأنه في نظري, إضافة إلى ضرورة النضال على الوجود الفعلي لدولة إسرائيل, وإضافة إلى النضال على قيم دولة إسرائيل كدولة ديمقراطية, الدولة الديمقراطية الوحيدة حقا في الشرق الأوسط, فإن بقاءنا كوطن قومي للشعب اليهودي هو بالواقع الهدف الأعلى, الذي كان المبرر ليس فقط للهدف من وراء إقامة دولة إسرائيل, وإنما هو بالحقيقة الهدف الملزم لنا وهو الهدف المركزي لنا كمجتمع أيضا, وبالتأكيد كحكومة ودولة.       
  وهكذا فإن دولة إسرائيل, وبالتالي حكومة إسرائيل تجد نفسها شريكة في صراعات مختلفة بهذا المجال, في حالات معينة بغية تعزيز شرعية دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية, وفي حالات أخرى, لكي تحارب سوية مع العالم اليهودي مظاهر اللاسامية التي ترتبط بمفاهيم كثيرة بالتطورات الجارية, شبه خليط بين النقد غير المشروع, لأن هناك  نقدا مشروعا أيضا ضد إسرائيل, وآمل ألا نرى في دربن 2 ما رأيناه في دربن 1, وهذا مثال إضافي على ذلك, وأن نناضل سوية مع العالم الحر الذي نشكل جزءا منه على القيم المشتركة لنا وللعالم الحر, بيد أن جزءا من المشكلة التي نواجهها رغم أنه واضح لنا, واضح لكل واحد من مواطني دولة إسرائيل, وأنا لا أتحدث بمفاهيم الحكومة, بشأن ماهية قيمنا, والقيم المشتركة لنا وللعالم الحر, سوف نضع أنفسنا بوضع فيه هوة هائلة, وضع لا يطاق, يخلق حالة من عدم الشرعية بين دولة إسرائيل, بين ما هي عليه, بين قيمها وبين الصورة التي يتم رسمها  لدولة إسرائيل خارج حدودها.
  هكذا نجد أنفسنا في وضع حسب اعتقادي لا بد لنا من معالجته, وأنا مستعدة للمثول لحكم المجتمع الدولي في كل أمر, لكني أريد من حكم المجتمع الدولي أن يكون حكما شرعيا بموجب قيم المجتمع الدولي. ومثلما أن كل نظام حكم يستند إلى قيم المجتمع, على التمييز بين القاتل المتعمد بنية مخرب وبين القتل الخطأ وغير المتعمد في حادث, ورغم أن حزن الضحايا وعائلاتهم هو نفس الحزن, بيد أن هذا التمييز الأخلاقي مهم للغاية, ولذلك أتوقع من المجتمع الدولي أن يعرف كيف يميز بين إسرائيل والإرهاب. عند مقتل مدنيين بشكل متعمد بأيدي مخرب, إزاء حالات نضطر فيها إلى العمل بهدف حماية المواطنين من الإرهاب, ومقتل مدنيين خلال هذه العمليات, أتوقع من المجتمع الدولي أن لا يضع كل الحالات في رزمة واحدة. إن المشاطرة بحزن الضحايا هي كما يرام,  بحزن جميع الضحايا, لكن حين يقوم المجتمع الدولي بهذا التمييز, فإن ذلك يظهر حقيقة قيمه.   
  حين نفرض على أنفسنا قيودا, وذلك ليس بسبب المحاكمة الدولية, وإنما بسبب قيمنا, أريد من العالم الحر, الذي نشاطره قيمه, ونشكل جزءا منه, لأننا اخترنا أن نكون على هذا النحو, أريد منه أن يحكم علينا تماما بموجب نفس هذه القيم. 
  يمكننا أن نرى أيضا الوضع الذي يتوجب علينا مواجهته, وجود تفهم دولي, كما آمل, للحقيقة بأن التقسيم اليوم أصبح أقل فأقل  بين نزاعات حدودية, ونزاعات قومية, وسوف أتطرق إلى الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني, لتصبح أكثر فأكثر بين نزاعات على أساس ديني, وتفهم بأن الصراع الديني ليس صراعا من أجل نيل حقوق أحد ما, وإنما هو صراع غير مشروع, هدفه هو سلب الآخرين حقوقهم, وفي هذه المسألة تتواجد إسرائيل في مقدمة الجبهة.  لكن  القضية أو المبرر, والسبب للتطرف ليس إسرائيل, ولا الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني أو الإسرائيلي – العربي, ورغم ذلك نحن ندفع ثمن عدم رغبة المتطرف في قبول حقنا الشرعي بالوجود كدولة, دولة لها الحق بتقرير مصير شعبها. 
  لذلك فإن كل من يدعي أو من يعتقد بأنه إذا وضعنا حدا للصراع هنا في المنطقة, عندها سيعم الهدوء الشرق الأوسط والعالم كله, وأنا أقول ما يلي قبل كل شيء لتبديد كل شك إن وجد, لإسرائيل مصلحة واضحة في إنهاء الصراع, نحن لا نحاول كسب الوقت, فالوقت يعمل في غير صالحنا, وسوف نفعل كل ما بوسعنا لكي نتمكن من العيش بسلام, وسوف أتطرق حالا إلى المعايير والأسس التي يجب أن يقوم عليها كل اتفاق, لكن يجب أن نعرف أيضا حين نتحدث عن التطرف الموجود,  حين نتحدث عن دولة مثل إيران, التي تمثل من خلال السلطة نظاما أيديولوجيا من هذا النوع, حتى لو نجحنا غدا في حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني, فإن إيران لن تغير شيئا من أيديولوجيتها.   
  هناك فهم واضح لدى جميع دول المنطقة, بخاصة الدول العربية والإسلامية ولدى الزعماء البراغماتيين, بأن إيران لا تشكل مشكلة لدولة إسرائيل وحدها, رغم أن رئيسها يتحدث بمفاهيم تدمير دولة إسرائيل وإنكار الكارثة (المحرقة). هؤلاء الزعماء يعلمون بالذات بصفتهم يعرفون الأوضاع عن قرب, وكمن لديهم جهات راديكالية في داخل أوطانهم, أن مواجهتهم يجب أن تكون ضد المتطرفين في دولهم, وضد دولة مثل إيران التي تحاول تقويض أنظمة حكمهم, وضد منظمة مثل حماس التي تشكل اليوم نموذجا سيئا جدا وإشكاليا جدا, لوضع تتمكن فيه حركة إسلامية دينية متطرفة, على غرار حركة الإخوان المسلمين في مصر وفي أماكن أخرى, من الحصول على زمام السلطة, واليوم, فإن العالم بأسره, بخاصة العالم العربي, وبالأساس الجهات الإسلامية المتطرفة, تنظر لترى إن كان سينشأ لأول مرة وضع يمكن فيه لسيطرة منظمة من هذا النوع أن تنجح, ونجاح حماس ليس مشكلة إسرائيل فقط, ولا مشكلة أبو مازن والجهات البراغماتية في السلطة الفلسطينية, وإنما نجاح حماس يشكل مؤشرا لجميع الجهات الراديكالية في الدول المجاورة, التي تنتظر الفرصة لاستغلال الطريقة الديمقراطية, ليس لقبول قيمها, وإنما من أجل بسط أيديولوجيتها المتطرفة وعدم تمكين جميع الباقين من العيش هنا بسلام.   
  أعرف بأن هذا الفهم موجود في صفوف الزعامات الدولية. أعرف بأنه موجود في صفوف القيادات الإسلامية المعتدلة, وأن الفصل بين المعتدلين والمتطرفين يتجاوز الأديان, وأعرف بأنه موجود في صفوف القيادات العربية البراغماتية, بيد أن الهوة بين الفهم وبين الاستعداد لاتخاذ موقف هي هوة كبيرة جدا لبالغ أسفي. 
  لذلك نحن نتواجد في وضع به هذه الجهات المحرضة, هذه الجهات المتطرفة, سواء كان الحديث عن وسائل الإعلام الجماعية, أو عن مواقع إنترنت تابعة لتنظيم القاعدة,  وسواء كان الحديث عن جهات راديكالية, تشكل تهديدا على قيادات لا تتجرأ على القول وبصوت عال ما هو التهديد, ولا تقول للعالم الغربي ما يعرف العالم الغربي بعضه ويفضل عدم سماع بعضه الآخر – ألا وهي حقيقة وجودنا جميعا في نفس الحرب. 
  إن حكاية إيران ليست مشكلة إسرائيل وحدها. بل هي مشكلة العالم كله. إن  حكاية حزب الله ولبنان ليست مجرد مشكلة لبنانية داخلية, وإنما هي مشكلتنا جميعا, وحكاية حماس ليست مشكلة تقتصر على غزة وليست مشكلة إسرائيل فقط, هذه هي مشكلة بالنسبة لنا جميعا.  
  إذا نجحنا في غرس هذا الإدراك في صفوف المجتمع الدولي, أفترض عندها أن الاستعداد لاتخاذ مواقف, ليس لصالح إسرائيل, وإنما لصالح المجتمع الدولي ذاته, ولصالح العالم الحر, هو بالأمر الذي يمكننا أن نراه يحدث. 
  الآن, وبما أنه يوجد هنا  رغم ذلك صراع قومي بين شعبين, يعيشان بين البحر المتوسط ونهر الأردن, بين دولة إسرائيل والفلسطينيين في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني, وهو صراع مطلوب منا التوصل إلى حل له وذلك في خدمة الهدف الأعلى لدولة إسرائيل, ومعناه وجود دولة يهودية وديمقراطية.  أقول ذلك لأن هذا الأمر هو حسم داخلي لدينا, واختيار إسرائيلي قد قمنا به حسب رأيي كجمهور, ولا يعود الأمر حسب اعتقادي للأحزاب داخل دولة إسرائيل, ولا حتى للحكومات في إسرائيل, أو للزعماء السياسيين. إجمالا هناك تفهم واسع جدا في صفوف الجمهور الإسرائيلي, بأن الرغبة والضرورة إلى الحفاظ على دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية, مع دمج هاتين القيمتين معا, تلزمنا بتقديم تنازلات إقليمية وتلزمنا بالعمل من أجل التوصل إلى حالة من إنهاء الصراع, حالة تعيش فيها دولتان قوميتان منفصلتان, بحيث أن كل شعب يحصل على تعبيره القومي في دولته الخاصة. هذه هي القاعدة الأولى الملزمة في كل تسوية يتم التوصل إليها بيننا وبين الفلسطينيين.  
  أنا أقول البديهي الذي لا يكون دائما بديهيا. لأن كل اتفاق يجب أن يعبر عن وضع حد للمطالب القومية والوطنية عن طريق إقامة دولة وطنية للشعب الفلسطيني, إلى جانب دولة إسرائيل, دولة الشعب اليهودي, والمعنى هو بأن الحل الوطني الفلسطيني هو لجميع أبناء الشعب الفلسطيني. لهؤلاء الذين يعيشون اليوم في يهودا والسامرة وقطاع غزة, ولهؤلاء الذين يحتجزون في مخيمات لاجئين منذ عشرات السنين, من منطلق تفكير, أو حلم تتم تغذيته سياسيا, بأن تكون إسرائيل وطن الشعب اليهودي هي خيارهم, بينما نريد نحن التوصل إلى حل لهذا الصراع ووضع حد له. لكن  الحل يجب أن يكون على النحو التالي, مثلما أن إقامة إسرائيل شكلت بالنسبة للشعب اليهودي الحل القومي للاجئين الذين وصلوا من أوروبا, وللاجئين الذين قدموا من الدول العربية, وجزء من ماهية وجود دولة إسرائيل كان للقيام بهذا الدور, هكذا أيضا يجب أن يكون الفهم العربي والفلسطيني لماهية الدولة الفلسطينية, لأنه بدون هذا الفهم لا يمكننا التوصل إلى حل لهذا الصراع. 
  الجزء الثاني من كل حل هو طبعا موضوع الأمن, إذ أننا لا نريد أن نرى وضعا نقيم فيه إلى جانب دولة إسرائيل دولة من الإرهاب, أو دولة إسلامية متطرفة, أو دولة فاشلة , لأنها قد تتمخض عن نشوء حكومة هي منظمة إرهابية, أو ميليشيا مسلحة تفعل ما يحلو لها ضد جاراتها, وقد رأينا ما فعلته منظمة حزب الله في لبنان, ولذلك فإن هذا هو أمر لا يمكننا السماح به لأنفسنا. وحين أقول لا يمكننا السماح به لأنفسنا, لا أقصد إسرائيل فقط, بل أقصد أن العالم كله لا يمكنه السماح به لنفسه. لأن هدفنا هو حقا محاولة التوصل إلى حل لائق لهذا الصراع القومي.   
  إن التقسيم بين المعتدلين والمتطرفين حصل على تعبير له داخل المجتمع الفلسطيني وقيادته. يمكننا أن نرى غزة تحكم من قبل منظمة إرهابية, استخدمت الانتخابات الديمقراطية دون أن تدفع تذكرة دخول في الطريق, الأمر الموجود بالمناسبة في جميع الديمقراطيات, بما في ذلك في إسرائيل, وفيها إذا أردت المشاركة في الانتخابات, يتوجب عليك أن تقبل بمبدأ نبذ العنف والإرهاب وأن تقبل بالقيم الأساسية للديمقراطية.  ما  من دولة في العالم تسمح لمنظمة إرهابية بأن تشارك في الانتخابات. والمكانان الوحيدان اللذان يحدث ذلك فيهما هما الأكثر خطورة: حماس في مناطق السلطة الفلسطينية, وحزب الله في لبنان, وفي أماكن أخرى لم يتم فيها الرد على هذه الظاهرة. وبالمناسبة, أريد اليوم دفع عجلة عمليات دولية بغية تحديد قواعد عالمية للمشاركة في الانتخابات.  يوجد هنا رجال قانون, واعتقد أنه من الجدير دفع عجلة هذه العملية, وهي جزء من الدستور الأمريكي.  حسب رأيي, حتى الدستورين الجديدين في إيران وأفغانستان يشتملان على هذا الشرط, نحن فقط من يدفع الآن الثمن, الشرط الذي لم يكن في الواقع قائما في السلطة الفلسطينية قبل الانتخابات, وهذا التقسيم هو تقسيم أيديولوجي أيضا. معنى ذلك أن لدينا الحركة الوطنية الفلسطينية ولدينا الحركة الدينية, وتقسيم إقليمي أيضا, لأننا نجد اليوم غزة تحكم من قبل منظمة إرهابية, والضفة الغربية, يهودا والسامرة,  لا أريد أن أقول تحكم من قبل, لكن يوجد فيها حكومة شرعية, قبلت بشروط الرباعية الدولية الثلاثة, بما في ذلك الاعتراف بدولة إسرائيل, احترام الاتفاقيات السابقة ونبذ العنف والإرهاب.
  
                      هذا الوضع, من جهة معقد أكثر, ومن جهة أخرى فإنه يمكننا من التقدم بالاستراتيجية التي تبنيناها وهي الاستراتيجية المزدوجة. أي محاولة التوصل إلى اتفاقات مع الحركة الوطنية الفلسطينية, عليها يقوم في الواقع مبدأ حل دولتين لشعبين, تعيشان بسلام, مع رسم الحدود بين هاتين الدولتين بواسطة الاتفاق, ومن جهة أخرى لدينا حركة أخرى- قدرتنا على التوصل معها إلى إنهاء الصراع تقارب الصفر لأن هذه مجموعة غير مستعدة لقول الجملة الأولى التي وردت في شروط الرباعية الدولية – ألا وهي الاعتراف بوجود دولة إسرائيل.    
  لذلك نقوم اليوم بإجراء الحوار مع المجموعة الأكثر براغماتية, على أمل في أن نتمكن من التوصل إلى اتفاق معها,  نحن نجري هذا الحوار معها, ونطالب بالاعتراف بمطالب الرباعية الدولية ليس من أجل معاقبة أحد ما على استخدام الإرهاب, وإنما لأنه إذا سمحت الحركة الوطنية الفلسطينية أو خضعت للمجموعة الثانية, فإن قدرتنا على التوصل إلى اتفاقات شاملة, سوف تقل وتتضاءل. إذ لا يوجد في حماس أمل بالمستقبل, والحديث ليس فقط عن دفعة لقاء الماضي.    
  عندما أتحدث عن الأمل, أعني الأمل لإسرائيل, وكذلك الأمل للفلسطينيين الذين يريدون قبول مبدأ حل الدولتين.
 في الماضي تواجدنا عامة في حالة إما أن كانت لدينا قيادة فلسطينية استطاعت حقا القيام بالتغييرات المطلوبة على الأرض, لكن ربما لم ترغب دوما القيام بذلك. وأحيانا كانت لدينا جهات ذات صلة للتوصل إلى تسوية, لكن قدرتها على تطبيق التسوية على أرض الواقع كانت إشكالية للغاية. اليوم يوجد لدينا بشكل أو بآخر كلا القيادتين وإنما في قسمين مختلفين. 
  لذلك فإن هذه الاستراتيجية تقول ما يلي: سوف نتعامل مع الحركة الوطنية الفلسطينية وسنحاول التوصل إلى اتفاقات معها. في ذات الوقت, يجب القيام بتغييرات على الأرض. إن قدرة إسرائيل على القيام بتنازلات إقليمية ونقلها من الورق إلى الواقع, مرتبطة بوجود حكومة فاعلة في الجانب الآخر, أن تكون شرعية لأنها ستقبل بشروط الرباعية الدولية, وأن تكون قادرة على توفير الرد على الإرهاب, وبحيث يقوم هذا الجانب بتوفير الترتيبات الأمنية المطلوبة من ناحية إسرائيل, وهي ترتيبات تشكل جزءا من خريطة الطريق, وهي جزء من الشروط الأمنية, وجزء من التسوية الدائمة – عندها فقط يمكننا حقا تطبيق الاتفاقات على أرض الواقع.
 لكي يحدث هذا الأمر, وبموازاة المفاوضات التي أجريها مع أبو علاء, يجب أن يتم تنفيذ تغييرات تقوي وتعزز مكانة هذه المجموعة في يهودا والسامرة, بما يتمشى واحتياجات إسرائيل الأمنية طبعا, وأن تؤدي إلى تغيير على الأرض بمفاهيم اقتصادية أيضا, بغية خلق المزيد من الثقة بالعملية وخلق التمييز المطلوب بين الأمل الذي يمكن أن يخرج من يهودا والسامرة وبين الوضع في غزة, مع معالجة الوضع في قطاع غزة بشكل مغاير تماما.  إن الفصل ليس فقط بين مجموعتين نظريتين, وإنما هو فصل فعلي أيضا, وكذلك فصل جغرافي. وكوني أجري مفاوضات مع أبو علاء, لأسفي لن يغير الوضع في غزة صباح غد, ولذلك وبالنسبة للوضع في غزة يجب علينا توفير ردود مثلما نرد على الإرهاب,  والرد على الإرهاب هو رد عسكري. لا يستطيع شركاؤنا في الحوار الآن توفير هذا الرد في غزة. لكن عليهم أن يعلموا أيضا, وأعرف أنهم يشاطروننا هذا الفهم مبدئيا, بأن كل حوار فلسطيني داخلي, إذا كانت نتيجته, حكومة لا تقبل بشروط الرباعية الدولية, فإن هذا سوف يؤثر على قدرتنا على التقدم, ليس لأننا نريد معاقبة أحد ما, وإنما لأنه لن يكون احتمال لتقدم من هذا النوع. 
  لذلك من المهم جدا وخلال عملنا على صعيد المفاوضات مع أبو علاء , ومع المجموعة البراغماتية,  أن نحاول تحسين الوضع على الأرض من ناحية اقتصادية أيضا لصالح الفلسطينيين ومن ناحية أمنية لصالح إسرائيل, وهنا ثمة مصلحة مشتركة لإسرائيل وللجهات البراغماتية, في ذات الوقت فإن إسرائيل ملتزمة بالعمل ضد الإرهاب في غزة, وهذا لا يمس بالمفاوضات, بل يتم بنفس الوقت, وهو أمر ضروري. إن حقيقة قيامنا بإجراء مفاوضات لا يمكنها منح الحصانة لحماس, لأن الأمر الوحيد الذي تريده بشكل أو بآخر هو وقف المفاوضات, ولهذا السبب فإننا سنواصل إجراء المفاوضات حتى حين تحاول حماس منع ذلك, وأنا أتوقع من شريكي في الجانب الفلسطيني مواصلة دخول غرفة المفاوضات, حين تعمل إسرائيل ضد الإرهاب أيضا, مثلما آمل منهم في العمليات الجارية اليوم, إذا كانت تجري, وأنا لا أعرف مضمونها, بين حماس وفتح, ألا يرضخوا لأيديولوجية حماس المتطرفة, وإنما أن  يصروا على مطلب الشروط الثلاثة, وهو ليس اختراعا إسرائيليا, وإنما مبدأ حدده المجتمع الدولي وبحق,    لأن آخر أمر نريده هو أن نخلق هنا حالة من الشرعية لهذه المنظمة الإسلامية المتطرفة, شرعية لهذه الأيديولوجية,  الرامية إلى عدم تمكننا من التوصل إلى سلام, ربما من منطلق الالتزام بهدوء مؤقت, والتزامنا لا يقضي بالنظر إلى الأسبوع المقبل فقط, وإنما النظر إلى السنوات المقبلة, وأن نرى ما هي الاستراتيجية الصحيحة, تقديم الرد عليها على نحو يحافظ على الحقوق الشرعية للشعب اليهودي في دولة إسرائيل,  ويمكن أيضا جيراننا الفلسطينيين من أن يحققوا حقوقهم الوطنية في دولة غير دولة إسرائيل.  

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
   
 
   
 
     الردود (feedback) | خارطة الموقع