إن البيانات الواضحة التي أصدرتها حماس, المؤيدة للعنف ومعارضتها لحل الدولتين، وإنكارها لحق إسرائيل في الوجود, وكذلك تورطها المباشر في الإرهاب، هي التي دفعت المجتمع الدولي إلى وضع ثلاثة شروط واضحة أمام اي حكومة فلسطينية, كي تحظى بالشرعية والتعاون من جانب المجتمع الدولي. إن واجب تقديم البرهان على تغييرها لسياستها، يقع على عاتق حماس, المصنفة كمنظمة إرهابية واضحة. لكن في الحقيقة، كما هو مفصل أدناه، فإن البيانات التي أصدرها قادة حماس في أعقاب اتفاق مكة، لا تترك أي مجال للشك، بانه لم يحدث أي تحرك من جانب حماس نحو قبول هذه المبادئ الأساسية للسلام.
لقد طالبت الرباعية الدولية، بوجوب التزام اي حكومة فلسطينية بهذه الشروط الثلاثة، و"ألا تضم هذه الحكومة أي عضو" لا يلتزم بالشروط المذكورة. لذلك فان المشاركة في حكومة لا تلتزم بهذه المبادئ أو انتهاج سياسة كهذه، من الواضح انه لا يمكن اعتبار ذلك تلبية لمطالب الرباعية الدولية.
في الوقت الراهن, لا يوجد برنامج متفق عليه او اتفاق ملزم بالنسبة لسياسة الحكومة الفلسطينية المستقبلية. وقد تضمن اتفاق مكة بين حماس وفتح، قيام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس, بتكليف زعيم حماس, إسماعيل هنية, بتشكيل هذه الحكومة، لكن كتاب التكليف نفسه, لا يمكن أن يشكل البرنامج السياسي للحكومة المقبلة, كما لا يمكن اعتباره تنفيذاً لأي من الشروط التي يُطلب من الحكومة الوفاء بها.
وحتى لو كان كتاب التكليف يعتبر بمثابة التزام بالنسبة لسياسة الحكومة الجديدة، فانه لا يلبي أيا من المطالب الأساسية التي كررتها الرباعية الدولية مرارا, وهي: الاعتراف بدولة إسرائيل، نبذ الإرهاب والعنف, والقبول بالاتفاقيات والالتزامات السابقة وبضمنها خريطة الطريق.
1 – الاعتراف بإسرائيل
مطالب الرباعية الدولية تدرك بانه لا أمل في تحقيق حل الدولتين، الا اذا اعترف كل طرف بحق الطرف الآخر بدولة مستقلة. إن الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، هو شرط أساسي مسبق يُطلَب من قبل أي شريك فلسطيني في السلام.
إن كتاب تكليف حماس وفتح بتشكيل الحكومة الفلسطينية, لا يتضمن الاعتراف بدولة إسرائيل. في الحقيقة, فان كلمة "إسرائيل"، لا تظهر في الوثيقة اطلاقا. وحتى الاتفاقيات بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، يشار اليها فقط وكأنها "اتفاقيات وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية وحدها".
وقد أكد مستشار إسماعيل هنية, أحمد يوسف, بعد التوصل الى اتفاق مكة بأيام معدودة فقط, ان حماس لن تغير باي شكل من الأشكال، موقفها المتصلب من موضوع الاعتراف بإسرائيل. حيث قال: "موضوع الاعتراف بإسرائيل لم يُبحث ابداً في مكة. كما لن تكون في برنامج الحكومة الجديدة، اي إشارة الى الاعتراف (بإسرائيل)، بغض النظر عن الضغوط التي سوف تمارسها الولايات المتحدة والرباعية الدولية." (رويترز 10 فبراير/شباط 2007).
وبشكل مشابه، أكد الناطق بلسان حماس, إسماعيل رضوان، على أن الاتفاق لا يشمل اي تغيير بالنسبة لرفض حماس الاعتراف بإسرائيل:
" إن الاتفاق الذي تم التوصل اليه في مكة، لا يعني الاعتراف بالكيان الإسرائيلي... موقف حماس بهذا الشأن ثابت ومعروف جيداً, وهو عدم الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني..."
(مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية 9 فبراير/شباط 2007).
لقراءة دراسة أعدها مركز المعلومات حول الاستخبارات والإرهاب حول تصريحات مسؤولي حماس بأن الاتفاق لا يشمل الاعتراف بإسرائيل
2– نبذ الإرهاب والعنف
"لا يمكن ابداً تحقيق حل الدولتين اللتين تعيشان جنباً الى جنب بسلام وأمن"، اذا كان أحد الطرفين يدافع عن مبدأ ممارسة الإرهاب. ولهذا السبب فقد كررت الرباعية الدولية إصرارها على ضرورة قيام اي حكومة فلسطينية يتم تشكيلها بنبذ الإرهاب والعنف.
كتاب التكليف لا يتضمن اي تعهد بالإحجام عن اللجوء الى الإرهاب والعنف. بل العكس من ذلك, حيث يدعو كتاب التكليف الحكومة الجديدة الى الالتزام بوثيقة المصالحة الوطنية. ويجب علينا أن ندرك أن هذه الوثيقة، تجعل وبشكل واضح وجلي من العنف والإرهاب أمرين مشروعين، تدعو الأطراف "الى دعم المقاومة" ... بشكل متزامن مع العمل السياسي (البند 3) والى "قيادة تشجع مقاومة الاحتلال" (البند 10). هذه الدعوات بالطبع، تتناقض بشكل مباشر وسافر مع الالتزامات الفلسطينية التي وردت في الاتفاقيات المسبقة, وبضمنها خريطة الطريق, والتي تدعو فيما تدعو الى إنهاء فوري "للنشاط المسلح ولجميع أشكال أعمال العنف ضد الإسرائيليين حيثما كانوا". وقد أعرب مندوب حماس في لبنان, أسامة حمدان, بشكل واضح عن رفض حماس لنبذ الإرهاب بقوله: " كل واحد يعرف ان أحد الشروط للاعتراف بالحكومة الفلسطينية وفتح قنوات تدفق الأموال اليها, كان وضع حد لأعمال العنف والمقاومة. نحن نقول ان المقاومة سوف تستمر، وقد قمنا بعمليات مثل أسر الجندي الإسرائيلي شاليط، بالاضافة الى أعمال أخرى ضد الاحتلال العدواني... وحماس من جانبها ما زالت تعتبر المقاومة خياراً استراتيجياً, ولن تقدم اية تنازلات بهذا الشأن، حتى- ان شاء الله- نحقق النصر في فلسطين".
(مقابلة مع راديو المنار 14 فبراير/شباط 2007)
على الصعيد العملي ايضاً، لم تقدم حماس اي دليل على نيتها نبذ العنف والإرهاب. فهي لا زالت تحتجز غلعاد شاليط، وتواصل تهريب السلاح غير الشرعي والمتفجرات الى مناطق السلطة الفلسطينية, وتمجيد وتشجيع أعمال الإرهاب والعنف. إضافة الى ذلك, لم تقم باتخاذ اية خطوات, ترمي بموجب الالتزامات الفلسطينية الي منع ارتكاب أعمال عنف من قبل مجموعات فلسطينية اخرى, بما في ذلك اطلاق صواريخ القسام على المدن والقرى الإسرائيلية. على النقيض من ذلك، فقد أوضح الناطقون بلسان حكومة حماس انهم يؤيدون اعتداءات كهذه ولا ينوون منعها ابداً .
3– القبول بالاتفاقيات والالتزامات المسبقة, وبضمنها خريطة الطريق
كررت الرباعية الدولية اصرارها على مطالبة اي حكومة فلسطينية بقبول الالتزامات والاتفاقيات السابقة, وبضمنها كل ما يتعلق بخريطة الطريق. حيث تم التوصل الى هذه الاتفاقيات بعد مفاوضات مضنية وتتازلات من قبل الطرفين. ولا قيمة للسعي من أجل التوصل الى اتفاقيات جديدة مع شريك يتنصل من الاتفاقيات السابقة ولا يلتزم بها.
كتاب التكليف يدعو الحكومة الجديدة "الى احترام الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية"، لكن هذا يظل أدنى بكثير من تلبية مطالب الرباعية الدولية وذلك لعدة أسباب:
أ – لقد تقرر أن يكون احترام الاتفاقيات "على أساس" المصالح الوطنية الفلسطينية العليا، ووثائق اخرى، بضمنها وثيقة المصالحة الوطنية، والتي كما أشرنا أعلاه، تجعل الإرهاب أمرًا مشروعاً وتدعو إلى القيام بأعمال إرهابية.
هذا البند يتضمن ربط احترام الاتفاقيات باعتبارات أخرى لا تتعدى الرغبة في قبول بنود في هذه الاتفاقيات تكون حسب الاختيار, بحيث لا تناقض أهداف حماس المتطرفة.
لقد أشار خليل أبو ليلى, من المكتب السياسي لحماس إلى ان الاحترام المزعوم للاتفاقيات لا معنى له عملياً. وحين سُئـِلَ عما اذا كانت حماس قد التزمت باحترام الاتفاقيات التي وقعت عليها منظمة التحرير الفلسطينية. أجاب:
" نحن نحترم فقط الأمور التي لا تناقض المصلحة العليا للشعب الفلسطيني. هذا أمر من الأهمية بمكان. ونحن الفلسطينيون يمكننا التفاوض بمساعدة اخواننا العرب والقول: "اين تكمن المصلحة الفلسطينية العليا؟ اذا يمكننا التوصل إلى اتفاق, فيجب أن نتصرف حسب هذا الاتفاق. أقول ان طريق الحكومة السابقة، المرتكزة على الوحدة الفلسطينية، كانت في الاتجاه الصحيح ولأجل المصلحة الفلسطينية العليا. واذا وجدنا تلك المصلحة في الاتفاقيات (التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية)، فسوف نلتزم بها. لكن اذا كانت المصلحة تكمن في مكان آخر، فيجب أن نتخلص منها (الاتفاقيات)، وأن نعود الى الجهاد (الحرب) مع العدو الصهيوني الظالم". (مقابلة مع القسم العربي في البي.بي.سي 16/2/2007)
ب – بينما تبدو كلمة "احترام" كدلالة على الالتزام بالاتفاقيات, فان اصرار قيادة حماس عل عدم استعمال كلمة "احترام" او "التزام" كما تطالب الرباعية الدولية، يعتبر بمثابة ميل من جانب هذه القيادة الى انتهاج أسلوب هو أبعد ما يكون عن الالتزام. هذا وأكد موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، على أهمية هذا الفصل في المعاني، خلال الأيام التي أعقبت التوقيع على اتفاق مكة:
" كانت هناك مناقشات مفصلة حول هذه المسألة فيما يتعلق بكلمتي "احترام" و"التزام"، وقد كان واضحاً للجميع، ان حماس لا يمكنها الالتزام بشيء لا تشمله المواقف السياسية التي عبرت عنها حيال هذه المسألة .... ان حقيقة موافقة ابو مازن على كلمة "احترام" في كتاب التكليف، تعتبر مساهمة كبيرة للانطلاق بهذا الصدد".
(مقابلة وردت في موقع حماس 17 فبراير/شباط 2007)
إن الفصل بين كلمتي "احترام" و "التزام" في غاية الوضوح، ففي نفس كتاب التكليف، تستخدم كلمة "التزام" - فيما يتعلق بالتزام الحكومة الجديدة ب"المصالح العليا" للشعب الفلسطيني وبالوثائق الأخرى، وبضمنها وثيقة المصالحة الوطنية.
بالإضافة الى ذلك، تجدر الإشارة إلى ان الرباعية الدولية قد دعت الى الاحترام, ليس فقط بالنسبة للاتفاقيات، بل فيما يتعلق بالالتزامات الاخرى ايضاً، "بما في ذلك خريطة الطريق"، نظرا لأن خريطة الطريق لم توقع رسمياً بين الأطراف. إن حذف اي إشارة الى خريطة الطريق، يثير تساؤلات مقلقة حول الهدف من هذا البند.
ج – لقد أوضحت البيانات التي أدلى بها زعماء حماس ان معارضة حماس الأساسية لأي اتفاقيات إسرائيلية – فلسطينية لم تشهد اي تغيير.
هذا وقد أكد ممثل حماس في لبنان, أسامة حمدان مجدداً موقف حماس المتصلب بقوله:
"جميع الاتفاقيات مع الاحتلال كانت أخطاءً تاريخية, لأنها تضمنت الاعتراف بشرعية الاحتلال ومعارضة استمرار المقاومة".
(مقابلة في محطة راديو المنار 14 فبراير/شباط 2007)
د – أعمال حماس تدحض اي إيحاء يدل على انها مستعدة لتطبيق بنود الاتفاقيات التي تم التوصل اليها بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.
وهذه الاتفاقيات تتضمن التزامات تطالب الجانب الفلسطيني بما يلي :
اتخاذ اجراءات ضد جميع مظاهر العنف والإرهاب (انظر الاتفاقية المرحلية، ملحق 1، بند 2، مذكرة واي ريفر الفقرة أ، خريطة الطريق، المرحلة 1).
إحباط محاولات أفراد ومجموعات تدير وتخطط لاعتداءات إرهابية على إسرائيليين حيثما كانوا (خريطة الطريق، المرحلة 1)
مصادرة جميع الأسلحة والذخيرة غير الشرعية (مذكرة شرم الشيخ الفقرة 8، خريطة الطريق، المرحلة 1)
إحترام المعايير المقبولة دولياً ومبادئ حقوق الإنسان (الاتفاقية المرحلية البند 21).
تعزيز التفاهم المتبادل، الامتناع عن التحريض وضمان مساهمة مناهجها التعليمية في السلام بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني (الاتفاقية المرحلية البند 22).
اي قول بان حماس تحترم هذه الاتفاقيات يتناقض وبشدة مع استمرار تهريبها للأسلحة غير المشروعة, تمجيدها لأعمال العنف والإرهاب، تحريضها الآثم ضد إسرائيل، وخرقها المتواصل لأبسط قواعد حقوق الإنسان الفلسطيني الذي تدعي انها تمثله.
خلاصة القول هي، ان جميع الدلائل تشير الى ان حماس لم تتغير, لا على صعيد المبادئ ولا على الصعيد العملي، كي تمتثل لمطالب المجتمع الدولي التي وضعتها الرباعية الدولية، او تعمل وفق برنامج سياسي لحكومة فلسطينية تلتزم بهذه المبادئ. على العكس من ذلك, فقد عبر خليل ابو ليلى، من المكتب السياسي لحماس، وبشكل لا يقبل التأويل، عن رفض حماس الصريح لهذه المطالب، وذلك بعد أيام قليلة فقط من التوصل الى اتفاق مكة, حيث قال :
"اعتقد ان اجتماعات مكة قد حققت نجاحاً، لانه تم تحقيق الهدف، لكن فيما يتعلق بمبادئ حماس، فان حماس تتمسك بمواقفها الحريصة على المصلحة الفلسطينية العليا. وهي تواصل رفض الخضوع والإذعان الى شروط الرباعية الدولية".
"مقابلة مع القسم العربي لهيئة الاذاعة البريطانية بي.بي.سي 16 فبراير/شباط 2007)
إن الشروط التي وضعتها الرباعية الدولية، والتي تواصل حماس رفضها، لا تشكل عقبة على طريق السلام، وإنما اختبارات أساسية، يُقرر المجتمع الدولي بموجب نتائجها ما اذا كان باستطاعة اي حكومة فلسطينية يتم تشكيلها أن تكون شريكاً في عملية السلام.
ولذا، فان هذه الشروط ليست موضوعاً للمفاوضات, ولا يمكن أن يكون استيفاؤها من خلال صِيَغ ٍ غامضة مبهمة او تفسيرات ملؤها كيل الوعود.
أي حكومة ترفض التمشي وفق هذه المبادئ الأساسية للسلام، وتسعى في ذات الوقت الى الحصول على شرعية المجتمع الدولي ودعمه، فانها تشكل نكسة كبيرة لفرص السلام, وخيانة للمعتدلين الحقيقيين من كلا طرفي النزاع، الذين يؤمنون حقاً بحل النزاع على أساس حل الدولتين, ويسعون الى تحويل هذا الحل الى واقع فعلي.