كانت التغطية الإعلامية للصراع الشرق أوسطي تتسم في العديد من الحالات بعدم التوازن والإنصاف والتحيّز ضد إسرائيل.
تعتبر الصحافة العصرية ولا سيّما الإعلام الاكتروني وسيلة من وسائل نقل كميات هائلة من المعلومات إلى ملايين الأشخاص وتؤثّر المنافسة التجارية على سرعة ودقة تقديم هذه المعلومات الإعلامية. إلاّ أن هذه المنافسة كثيرًا ما تؤدّي إلى وصف سطحي ومبسط لواقع عادةً ما يكون مركبًا ومعقّدًا مثل الواقع السائد في منطقة الشرق الأوسط.
يؤدّي التناقض بين ضرورة تقديم التقارير حول الواقع المركّب في الشرق الأوسط من جهة وطرح المعلومات الدقيقة في أبسط صورة (وحتى أكثرها سطحية) من جهة أخرى إلى تغطية مشوّهة وغير متوازنة وغير عادلة للقضايا التي تخصّ إسرائيل في العديد من الأحيان.
تميل وسائل الإعلام في حالات كثيرة إلى وصف موقف مركّب بالقوالب السوداء والبيضاء تقدّم إسرائيل من خلالها على أنّها تلعب دور "المحتلّ" الذي يدوس حقوق "الذين تم احتلالهم" الأمر الذي يقود بدوره تلقائيًا إلى تقديم إسرائيل على أنّها مكمن الشرّ في الشرق الأوسط.
بيد أنّ الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك والإنصاف يتطلّب النظر والتمعّن في السبب وراء وصول إسرائيل إلى وضع تحكم فيه المناطق إضافة إلى حقيقة أنّه منذ عام 1948 ما زال العالم العربي يدعو إلى القضاء على دولة إسرائيل بكل الوسائل الممكنة. للأسف يصعب نقل هذا الواقع بتشعّباته العميقة والعريضة عبر تقرير متلفز يستمرّ ثوانٍ معدودة أو عدّة دقائق في أحسن الحالات.
في الغالب توفّر تغطية الأخبار في الشرق الأوسط لمحة وجيزة لا غير حول أحداث الساعة. يمكن للمرئيات أن توفّر فكرة درامية إلاّ أنّها وفي معظم الحالات عاجزة عن تضمين المفاهيم البسيطة حول الظروف الأوسع التي عرضت فيها الصورة ممّا يعني في أحيان كثيرة نزع الأحداث من سياقها.
تشكل صورة الشاب الفلسطيني وهو يواجه دبابة إسرائيلية قصة صحفية تهيّج مشاعر مشاهدي التلفاز, تلاقي رواجاً, ولكن هذا الطرح إنّما تشويه كبير للحقيقة. فالدبابة تظهر في الصورة تمثيلاً عن "المحتلّ القوي الغاشم" وتجسيدًا للظلم المفترض أن يكون مصدر الصراع في الشرق الأوسط. ولكن الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير من مجرّد صورة تلتقط لحظة واحدة فما قبلها أو ما بعدها لا يعرفه المشاهد, بل الصورة ترافق تقريرًا يقلّل أو يغيّب تمامًا المعلومات حول الإرهاب الفلسطيني المتواصل الذي يشكّل السبب الوحيد وراء وجود الدبابة في هذا المكان أصلاً. لا تتحدّث وسائل الإعلام إلاّ قليلاً عن الإرهابيين الفلسطينيين الذي ينشطون متعمّدين من داخل المراكز المدنية. كما ولا يعرض إلاّ القليل من كيفية اختلاط الإرهابيين في صفوف السكّان المدنيين الفلسطينيين بصورة متهكّمة وباستخدام الأطفال وغيرهم من المدنيين رهائن لهم ودروعًا بشرية ينطلقون من ورائها لشنّ هجماتهم ضد الإسرائيليين الأبرياء. قليل ما يقال (إذا قيل أصلاً) حول الإرهابيين الذين يعلمون يقينًا أنّ جيش الدفاع الإسرائيلي لن يألو جهدًا تفاديًا للمساس بالمدنيين الأبرياء حتى إذا كان الثمن تعريض حياة الجنود الإسرائيليين للخطر.
من أبواب عدم التوازن في التغطية الإعلامية أيضًا أنّ ممثّلي إسرائيل لدى الإعلام الدولي يعملون في مجتمع منفتح وديموقراطي يضمن لأفراده حرّية الصحافة والتعبير, ويتمتّع الصحافيون والإعلاميون الأجانب في إسرائيل بالوصول إلى كافة المصادر الاخبارية والتعرّف على مختلف الآراء السائدة من كافة ألوان الطيف السياسي كما يجب. بعكس ذلك لا تتوفّر حرّية التعبير والصحافة في المجتمع الفلسطيني وغيره من المجتمعات في معظم الأقطار العربية حيث تتغيّب في الواقع فرصة تقديم التقارير بحرّية فيها وبالتالي تبقى محدودة جدًّا إمكانيات الصحافة الأجنبية في تقديم تقارير ذات مصداقية وموضوعية وموثوق بها.
ثمة أكثر من حالة وقعت في الماضي هدّد فيها الفلسطينيون مراسلين أجانب كانوا سينقلون تقارير عن أحداث من شأنها الإساءة إلى السلطة الفلسطينية, وفي حالات أخرى وافق فيها الفلسطينيون على منح الصحافيين نوعًا من "الحرية" لأداء عملهم شريطة أن تتوافق تقاريرهم مع الآراء والرسالة التي أراد الجانب الفلسطيني نقلها.
إنتقد الإعلام دولة إسرائيل انتقادًا شديدًا لقيامها بتقييد حرّية الفلسطينيين في التنقل ومعاناتهم بسبب الحواجز التي نصبها جيش الدفاع الإسرائيلي منذ اندلاع أعمال العنف في سبتمبر/ايلول 2000. المشاهد التي تقدّم عبر شاشات التلفاز تثير الانزعاج بالفعل إذ يظهر فيها النساء والأطفال ينتظرون وقتًا طويلاً قبل تفتيشهم أمنيًا على الحواجز, ولكن هذه التقارير لا تقدّم صورة الوضع إلاّ بشكل جزئي متجاهلةً على الأغلب السياق وحقيقة أنّ الهدف الوحيد وراء وجود الحواجز في المكان هو منع مرتكبي التفجيرات الانتحارية الفلسطينيين من وصول المراكز السكّانية المدنية الاسرائيلية. بالإضافة يتم تجاهل التزام الحكومة الإسرائيلية بالدفاع عن مواطنيها بوجه الذين انطلقوا في طريقهم وهم يقصدون تفجير أنفسهم وقتل روّاد المقاهي والمحال التجارية وغيرها من الأماكن العامّة وركّاب الحافلات الأبرياء في تل ابيب وأورشليم القدس ومدن إسرائيلية أخرى. هل تعير وسائل الإعلام وهي تركّز على تغطية الحواجز الاهتمام الواجب لحقّ المواطن الإسرائيلي بالعيش بعيدًا عن تهديد الإرهاب والموت العنيف؟ عادة يأتي الجواب سلبيًا.
من أبرز الأمثلة على التحيّز الأساسي والتوجّه غير المنصف للعديد من وسائل الإعلام الدولية تعاطيها مع المعركة الشرسة التي دارت بين القوات الإسرائيلية والإرهابيين الفلسطينيين في جنين في ابريل/نيسان 2002. لم يمر إلاّ وقت قليل عن وقوع المعركة حتى سارع معظم وسائل الإعلام الدولية إلى الاستنتاج وتقديم المعركة على أنها "مجزرة" بحقّ الفلسطينيين. كما واتُهمت إسرائيل رأسًا بتدمير مدينة جنين حيث قضت وسائل الإعلام الدولية وحكمت على إسرائيل حتّى قبل التأكّد من كافة الحقائق, أي أنّ معظم وسائل الإعلام ابتلعت كامل طعم الدعاية الفلسطينية وروايتها لما يحدث. لو استوضحت وتأكّدت من الحقائق لعلمت أنّ ما وصف أصلاً بأنّه "مذبحة" كان في الواقع معركة قتل فيها 56 فلسطينيًا السواد الأعظم منهم إرهابيون مسلّحون وكذلك 23 جنديًا إسرائيليًا. كما واتّضح أنّ ما وصف بأنّه "تدمير جنين" لم يتعدّ حجمه معركة دارت في منطقة صغيرة جدًّا أي نحو مائة متر مربّع تشكّل جزءًا يسيرًا من المدينة.
في أسوأ تجلّيات التحيُّز الإعلامي وخاصة الرسوم الكاريكاتورية السياسية وبعض العواميد الخاصة تستخدم لغة ومضامين تذهب إلى حدّ التطرّف فيما يتعلّق بإسرائيل من وضع علامة استفهام حول مجرّد شرعية إسرائيل في الوجود وحتّى التصويرات المقولبة والرموز المعادية للسامية بما يعيد إلى الأذهان الهجمات الصحفية التي كان الشعب اليهودي قد تعرّض لها في الماضي.
ومع كل ذلك أكثر ما تميّز به تحيّز وسائل الإعلام الدولية انتهاج معايير مزدوجة تجاه إسرائيل التي ترحّب بصفتها دولة ديموقراطية الانتقاد المشروع ولكنّها تتعرّض لانتقادات إعلامية لا هوادة فيها تتجاوز كل معايير المقارنة مع ما تتعرّض له أية دولة أخرى, بحيث تتجاهل تمامًا وبدون أي مبرّر حقيقة أنّ إسرائيل تواجه تهديدًا وجوديًا من عدد كبير من الدول في المنطقة. هذه الدول التي لم تتّفق بعد مع وجود إسرائيل دولة يهودية أبعد ما تكون عن أبسط معايير الديموقراطية والحرّية. بالإضافة إلى ذلك توجّه وسائل الإعلام الدولية الانتقاد إلى إسرائيل على أي خطوة تقريبًا تقوم بها لمكافحة الإرهاب مع تجاهلها عادةً لحقيقة أنّ ديموقراطيات غربية أخرى لجأت إلى استخدام خطوات مماثلة بل وأكثر صرامة عندما واجهت تهديدًا على أمنها القومي وسلامة مواطنيها.