رغم أن الصهيونية تعبر عن الرابطة التاريخية بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل, غير أن ظهور الصهيونية المعاصرة كحركة وطنية ناشطة في القرن التاسع عشر ليس من الواضح إن كان يتم دون ظاهرة معادة السامية المعاصرة وحالة الاضطهاد المستمر طوال قرون التي تعرض لها اليهود في المهاجر.
هُجر اليهود خلال قرون من معظم الدول الأوروبية - ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وويلس وإسبانيا والبترتغال. والحديث عن تجربة متراكمة كان لها صدى كبير خاصة في القرن التاسع عشر, تلك الفترة التي فقد فيها اليهود الآمال في احتمال حدوث تغيير جذري في حياتهم. هذه الأجواء كانت مصدر ظهور القادة اليهود الذين تبنوا الصهيونية نتيجة لخطورة ظاهرة معاداة السامية التي كانت سائدة في المجتمعات المحيطة بهم.
هكذا أصبح موشيه هيس الذي أصيب بصدمة من فرية الدم التي كانت تلفق ضد اليهود في دمشق (1844 ) أصبح مؤسس الصهيونية الاشتراكية. وليؤون بينسكير الذي هزته المجازر ضد اليهود (1881-1882) التي أعقبت اغتيال القيصر اسكندر الثاني, تولى قيادة حركة "محبة صهيون". وتيودور هرتصل كصحافي في باريس والذي تعرض بنفسه لحملة اللا - سامية التي نُظمت على خلفية قضية درايفوس هو الذي حوّل الصهيونية إلى حركة سياسية.
وسعت الحركة الصهيونية إلى حل "القضية اليهودية", مشكلة الأقلية الدائمة, مشكلة الشعب الذي يتعرض مرارا وتكرارا للمجازر والاضطهادات, ومشكلة المجتمع المشرد الذي تعزز شعوره بالاغتراب بسبب التمييز بمعاملة اليهود كلما هاجروا إلى مكان آخر. لقد سعت الصهيونية إلى مواجهة هذه الأوضاع من خلال تحريك عملية عودة اليهود إلى وطنهم التاريخي - أرض إسرائيل.
بالحقيقة, غالبية موجات هجرة اليهود الضخمة إلى إسرائيل في العهد المعاصر كانت بمثابة رد مباشر على أعمال القتل والتمييز التي استهدفت اليهود. كانت الهجرة الأولى ردأ على المجازر في روسيا خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر. فجاءت الهجرة الثانية ردا على مجزرة كيشينييف وموجة من المذابح ضد اليهود في أوكرانيا وروسيا البيضاء في مطلع القرن العشرين. أما بالنسبة للهجرة الثالثة فجاءت عقب المذابح التي استهدفت اليهود خلال الحرب الأهلية في روسيا. الهجرة الرابعة ومصدرها بولندا تمت خلال العشرينيات من القرن الماضي على خلفية القوانين التي بادر إليها غروسكي للحد من النشاطات الاقتصادية لليهود في بولندا. والهجرة الخامسة كانت خلفيتها فرار اليهود من النازية في ألمانيا والنمسا.
ولكن حتى بعد إقامة دولة إسرائيل في العام 1948 كانت الموجات الضخمة من الهجرة إلى إسرائيل مربوطة بظاهرة التمييز والقمع التي تعرض لها اليهود: الناجون من الكارثة التي حلت باليهود في أوروبا ولاجئون من الدول العربية فارين من الاضطهادات التي كانوا يتعرضون لها عقب إقامة دولة إسرائيل, وبقايا اليهود في بولندا الذين فروا من حملة المعادة للسامية في عهد غومولكا وموزكار, واليهود في روسيا ودول أخرى في الاتحاد السوفياتي سابقا الذين كانوا يخشون من حدوث موجات جديدة من اللا- سامية عقب انهيار الاتحاد السوفياتي.
إن تاريخ موجات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل يوفر التأكيد الاقوى للموقف الصهيوني القائل بأن إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل يتمتع فيها اليهود بالأغلبية هو الحل الوحيد "للقضية اليهودية".