التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     اللا سامية     الا سامية- منذ الفترة ما بعد الكارثة (الهولوكوست) وحتى أيامنا

الا سامية- منذ الفترة ما بعد الكارثة (الهولوكوست) وحتى أيامنا

بقلم مَانْفريد غِيرْشْتِينفِيلد
(كتب عام 2002)

...
تفجّر الموجة الأخيرة من اللاسامية
 

     
 مقدّمة: اللاسامية قائمة وسامّة


خلال السنتين الماضيتين واجهت إسرائيل والشعب اليهودي اعتداءات شملت مظاهر العنف الجسدي والعنف الكلامي: العنف الفلسطيني والذي يشمل في العديد من المرات اعتداءات انتحارية؛ اعتداءات على مؤسسات يهودية وعلى أشخاص يهود في العديد من دول العالم؛ اللاسامية الكلامية في أشكالها القديمة والجديدة في مختلف انحاء العالم.
تحرّض على هذه الاعتداءات وتشجعها القيادات الفلسطينية والعربية ومتطرفون مسلمون وانتهازيون سياسيون ونازيون جدد ومتطرفون يساريون، وبعض وسائل الإعلام ومؤسسات دولية تخضع لنفوذ عربي بالإضافة إلى يهود يعانون كراهية الذات. ويكفي تحليل محدود ليُظهر أنّ العديد من مظاهر اللاسامية هي فعلا روايات أعيد تدويرها تقف وراءها دوافع اللاسامية القديمة.
يَعتبر العديد من اليهود وغير اليهود أنّ مظاهر اللاسامية هي مظاهر غالبًا ما أكل الزمن عليها وشرب، وخاصة في أوروبا. ولكن الحاخام الأكبر ليهود بريطانيا جُوناثان ساكْس يُعبّر بوضوح عن الوعي بكون هذه المظاهر قائمة وعن القلق منها:
دعوني أقول في هذه النقطة ببساطة وبصراحة: إن اللأسامية لا تزال قائمة ودائرة وسامّة في عام 2002، وذلك بعد مرور أكثر من خمسين عامًا من تعليم تأريخ الهولوكوست النازي والحوارات بين الأديان وبيانات صدرت في الأمم المتحدة وتدشين عشرات المتاحف والنصب التذكارية ومئات الأفلام وآلاف الدورات وعشرات آلاف الكتب التي كُرّست للكشف عن جرائم الوحش النازي؛ وبعد مؤتمر سْتوكْهولم وتحديد اليوم الوطني لتخليد ذكرى الكارثة النازية وبعد التزام 2،000 من رجال الدين في الأمم المتحدة في آب أغسطس 2000 بمكافحة الكراهية وخلق الاحترام المتبادل. وهل كان من الممكن القيام بعمليات اخرى؟ هل هناك عمل آخر يمكن أن نقوم به لمكافحة اللاسامية؟

تشير استطلاعات أجرتها الجامعة اليهودية ضد القذف والتشهير عام 2000 إلى أن ظاهرة اللاسامية في أوروبا حقيقية وجوهرية. وفي استطلاع للرأي العام شمل خمس دول هي النمسا وسويسرا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا يُمكن وصف مشارك واحد من أصل خمسة من المستطلعة آراؤهم أي نسبة واحد وعشرين بالمئة بأنه "لاسامي إلى أقصى درجة".  فيعتقد واحد وعشرون بالمئة من المستطلعة آراؤهم بأن اليهود لا يهتمّون إلا بشؤونهم الخاصة ولا يهتمونها بشؤون غيرهم. ويعتقد أربعون بالمئة بأن لليهود نفوذًا مبالغًا فيه في عالم الأعمال وفي الأسواق المالية العالمية. وتَعتبر غالبية المستطلعة آراؤهم أن اليهود قد يبدون ولاء أكبر لإسرائيل من ولائهم لدولهم. وكان استطلاع أجريَ في وقت سابق وشمل فرنسا والدانمارك وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا قد جاء باستنتاجات مماثلة. ولكنه كان هناك تباين كبير في الآراء بين الدول العشر حيث جرى الاستطلاع.

 

دوائر اللاسامية


يقول سايْمون إيبْستِيين من مركز فِيدال سَاسون الدولي لدراسات اللاسامية إنّه منذ الحرب العالمية الثانية:
يبدو أن الحوادث التي تقع على خلفية كراهية اليهود تتكرّر وتصبح ظاهرة عالمية مع مرور الزمن، وفقًا للمعطيات المتوفرة لدى مختلف المعاهد والوكالات المراقبة في الدول الغربية.
يعتقد إيبستْيين بأن أول دائرة كبيرة بعد الحرب:
التي كانت معروفة ب"وباء الصلبان المعكوفة" لوحظت في أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. وبدأت هذه الدائرة بإقدام شابيْن ألمانيين على تدنيس كنيس في مدينة كولون الألمانية في ال25 من كانون الأول ديسمبر 1959. وتم اعتقال الشابين وإنزال عقوبات صارمة بحقهما. وسُجّل حوالي 685 حادثًا في ألمانيا وأكثر من 600 حادث في الولايات المتحدة. وبلغ العدد الإجمالي للحوادث التي وقعت في مختلف أنحاء العالم  25،000 حادث حصل في 400 مكان مختلف.
يُحدد إيبسْتيين الدائرة الثانية من اللاسامية في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات بالقول:
رغم أن حجم هذه الدائرة لم ينطوِ بوضوح على أبعاد النبوءة بنهاية العالم وأنها لم تتسبب في تشويش مجرى الحياة الطبيعي للجاليات اليهودية، فإن عدد الحوادث التي وقعت على خلفية كراهية اليهود في الدول الغربية بشكل عام بلغ مستوى لم يسبق له مثيل.
حصلت دائرة ثالثة في أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات. فاليوم هناك دائرة رابعة وهي أعنف دائرة منذ الكارثة النازية. وفي الوقت نفسه يتوجب على الشعب اليهودي مواجهة العديد من التحديّات الأخرى بطاقات إنسانية ومالية محدودة. ولذلك ينبغي الشروع في تحليل القضايا الكبيرة الحجم على جدول أعمال اليهود لغرض تحقيق تفاهم إستراتيجي لمركباتها الرئيسية ومصادرها. ولن يكون من الممكن التركز بشكل فعال على سبل الدفاع عن قضية وحشد التأييد إلا من خلال تحليل القضايا الكبيرة الحجم. فنظرًا لحجمها العالمي وانتشارها أصبحت ظاهرة اللاسامية قضية كبيرة الحجم طارئة وحقيقية جدًا.

 

اللاسامية الدينية والعرقية والموجّهة من دولة


يعاني اليهود- أكثر من غيرهم من خرافات مشوبة بالكراهية يتم نشرها جميعًا تحت عنوان "اللاسامية". واستنادًا إلى محاكمة جرت في روما قبل 2000 سنة، حمّل العديد من المسيحيين اليهود المسؤولية عن حكم الإعدام الذي صدر ضد يهودي اعتبروه المسيحيون إلهًا. ومع مرور القرون تم تشريب العديد من المسيحيين الكراهية ضد اليهود بشكل فعال.
من ناحية اللاسامية الدينية قامت الديانة المسيحية باختراع خرافة حول الشر الخِلقي الكامن باليهودي لمحض كونه يهوديًا. واستغلّّ النازيون ذلك في لاساميتهم العرقية مما تمخض عن نتائج إبادية. وتظهر أحدث أشكال اللاسامية وكأنها تختلف عن أشكال اللاسامية القديمة، إذ أنها تكنّ العداء ظاهريًا لكيان سياسي أي لدولة إسرائيل. ويوجد أقوى أنصار هذا النوع من اللاسامية في الدول العربية والإسلامية بوجه الخصوص ولكن ليس فيها فحسب. ويجب تحليل هذا الشكل الجديد من اللاسامية من خلال مقارنته بأشكالها القديمة.

 

من تجريد اليهود من إنسانيتهم إلى الإبادة الجماعية


يتم حاليًا تجريد إسرائيل من إنسانيتها وشيطنتها بنفس الطريقة التي تم فيها التعامل مع اليهود طيلة القرون الماضية. وتُشكل وسائل الإعلام القنوات الرئيسية لذلك. ويصف خبير النفس يسرائيل دابليو تْشارْني التجريد من الإنسانية ب" خفض قيمة الآخر بشكل عام بل نزع القيمة عن شرعية قيام الآخر".وهكذا يصبح الآخر أقل جدارة بالحياة من غيره. وفي الخطوة السيكولوجية التالية يتم تبرير المس بهؤلاء الأشخاص أو قتلهم. "إنّ الدليل على أن الآخرين يشكلون تهديدًا على حياتنا وأنهم ينوون قتلنا إلا إذا أقدمنا نحن بأنفسنا على منعهم من ذلك أولا هو من بين العناصر التي تساهم في تبرير قتل الاشخاص وفقًا لجميع المعايير العقلية التي تهدي الإنسان ذي الرغبة الطبيعية في التصرف بالشكل المقبول".
ثم يشرح تْشارني طريقة الانتقال من عمليات قتل عادية إلى عمليات إبادة جماعية. إن الناس يعتمدون على قوة خارجية عظيمة مثل الديانة أو إيديولوجيا علمانية لتبرير كون جماعات أخرى جماعات ذات صفات إجرامية. "رغم أنه يصعب تصديق هذا الأمر فإن بالفعل مركتبي عمليات الإبادة الجماعية يصفونها بأعمال تأتي لتحقيق هدف أكبر وهو تحسين حياة الإنسان! وفي حالة واحدة يتم تحقيق ذلك من خلال التخلص من الكافرين الذين يمنعوننا من تلقي بركات الله وفي الحالة الأخرى يتحقق ذلك من خلال تحسين النقاء العرقي".

 

تدمير الرموز اليهودية والإسرائيلية


يتم تدمير رموز ذات علاقة بالشعب اليهودي أو سرقتها واستخدامها ضد اليهود بهدف دفع الكراهية ضدهم
(ويشكل تشويه الحقائق بالنسبة للكارثة النازية مثلا على ذلك). وفي الوقت الذي تستمر فيه اعمال تدنيس مقابر وشواهد قبور يهودية لللاسامية الكلاسيكية  فإنها وجدت أشكالا معاصرة ترافقها وتنعكس في حرق أعلام إسرائيلية في أماكن عامّة، في العالم الثالث وكذلك في الدول الغربية.
في نيسان إبريل 2002 خلال تظاهرة للجمعية السويسرية الفلسطينية في بِيرْن، تحدّث فْرانْكو كَافَالْْيِِير الذي كان حينئذ زعيمًا للحزب الاشتراكي الديمقراطي  في البرلمان السويسري وهو أحد أحزاب الائتلاف الحكومي في سويسرا. وقال كافاليير خلال التظاهرة إن إسرائيل "ترتكب عمدًا مجزرة ضد شعب بأكمله" وأنها "تقوم بصورة منظّمة ومنهجية بإبادة الفلسطينيين". وخلال التظاهرة تم حرق أعلام إسرائيل.
لخّصت الفيلسوفة حانا أرِينْدت مدى جهل اليهود للخطر الطويل الأمد الكامن في الاعتداءات اللاسامية العنيفة والمستمرة بالقول إن اليهود في القرنين ال19 وال20 كانوا آخر من فهموا أن "الظروف أوضعتهم في قلب
 النزاع ". وأضافت أريندت أن اليهود "لم يعرفوا قط سبل تقييم اللاسامية... خلال أكثر من مئة سنة، تسللّت اللاسامية ببطء وبشكل تدريجي إلى جميع طبقات المجتمع في جميع الدول الأوروبية قرابةً حتى بروزها فجأة كإحدى القضايا التي يُتفَق عليها بالإجماع تقريبًا".
يتّسم المجتمع في العصر ما بعد العصر الحديث بتفتّته من جهة وبسرعة تطور الأحداث فيه من جهة أخرى. فتوجد هناك العديد من العناصر التي أدت إلى حدوث الكارثة النازية والتي لا تزال قائمة في الاعتداءات ضد إسرائيل في أيامنا هذه وينبغي دراستها بشكل مفصّل. وتعود هذه العناصر إلى قوى عديدة في المجتمع الأوروبي. يعتبر المؤرِّخ بِيرْنارد فاسِيرشْتيين اللاسامية عقيدة إيديولوجية تتألف في الوقت نفسه من مجموعة مواقف متحيّزة. وتقف وراء ذلك عدة عوامل غير متطابقة بل متناقضة: " تعليم المسيحية التقليدية والوثنية الجديدة للنازين والقومية المتكاملة والديماغوجية الشعبوية ("اشتراكية الحُمق")، والعداء لليهود بصفتهم رأسماليين ولليهود بصفتهم شيوعيين... ونتيجة لذلك قد يكون الشخص اللاسامي من المفكّرين رفيعي الثقافة أو من الفلاحين، من المقاتلين المُلْحدين أو من الصليبيين، من الشيوعيين أو من الرجعيين". فاليوم يبدي مواقف لاسامية حتى أولئك الذين اعتُبروا مجرَّدين من تلك المواقف قبل الحرب، مَن يُسمون ب"التقدميين المعتدلين".
خصّص لُورِينس سامِيرْس، رئيس جامعة هارفارد بالذكر مثل هذه المواقف في مقاله الشهير "خطاب في صلاة الصباح" حيث قال:
بينما كانت المواقف اللاسامية والمعادية لإسرائيل تعود تقليديًا أولا لغير المثقفّين وللشعبويين اليمينيين، فإن مواقف معادية بشكل عميق لإسرائيل باتت تلاقي تأييدًا متزايدًا في طوائف مثقّفة متقدّمة. ويؤيد ناس جادون عميقو التفكير أعمالا لها انعكاسات لاسامية ويقومون بمثل هذه الأعمال وإن لم تكن لاسامية عمدًا.
ليس غير اليهود فحسب وإنّما العديد من اليهود أيضًا يتجاهلون احتمال تمخّض مظاهر لاسامية متفرقة، تحت الظروف الخاطئة، عن اعتداء شامل منظّّم قد يكون من الصعب مواجهته.

 

إساءة استعمال حقوق الإنسان


يشير إيرْفِين كُوتْلِير وهو عضو في البرلمان الكندي وكان محاميًا لنِلْسون مانديلا وأنْدْرِي ساخَاروف إلى أنه تتم بشكل متزايد إساءة استعمال مبادئ حقوق الإنسان التي كان يقاتل من أجلها. ويقول كوتلير:
تَستغل اللاسامية حاليًا بلاغة القوانين الدولية وحقوق الإنسان لتغطية أعمال تمييز ضد اليهود من خلال توجيه انتقادات متحيّزة ضد إسرائيل... ونشهد نوعًا جديدًا من العداوة لليهود، نوعًا له جذوره في اللاسامية الكلاسيكية...وهناك ظاهرة عالمية يتم بموجبها تمييز إسرائيل والشعب اليهودي على الساحة الدولية"...
يعتبر كُوتلير التمييز ظاهرة مشتركة لنوعي اللاسامية القديمة والجديدة. "اللاسامية التقليدية حرمت اليهود من حقوقهم في العيش كأعضاء متساوين في المجتمع، ولكن النوع الجديد من عداوة اليهود يحرم الشعب اليهودي من حقه في العيش كعضو متساو بين شعوب العالم". ويتم تطوير هذه الأفكار في مقابلة مفصلّة مع كوتلير.
يبدي علماء في مجالات أخرى آراء مماثلة. وتقول رُوث كْلوغِير، الرئيسة السابقة لقسم ألمانيا في جامعة بِْرينْستون:
بينما ولى شبح الفاشية، يبدو أن لاسامية خفية تَعتبر إسرائيل كيانًا غير شرعي بدأت تزحف مجدّدا إلى الأذهان...ويبدو أن "الاستحواذ" الجلي العالمي على الدولة اليهودية يكشف عن رأي لا يزال يعتبر اليهودي غريبًا أو عدوًا.
لساكْس رأي مماثل:
ما نشهده اليوم هو تحول حادّ وشيطاني وفاسد إلى درجة تشلّ أجهزة المناعة التي كان الغرب يُطوّرها خلال السنوات الخمسين الماضية... وينعكس هذا التحول في اتهام اليهود ودولة إسرائيل بارتكاب أسوا جرائم اللاسامية في الماضي: العنصرية والتطهير العرقي ومحاولة ارتكاب إبادة شعب وجرائم ضد الإنسانية، بحيث إذا ما كنتَ ضد النازية فإنك بالفعل تعارض اليهود... ولا تدرك هذه الحقيقة وتدين بها  إلا فئة قليلة من غير اليهود في أوروبا ، وهذا الأمر يثير صدمتي.
في حين يعرب عن مثل هذا القلق بالدرجة الأولى نصراء اليهود، فإن أحد غير اليهود القلائل الذي عبّر عن رأي مماثل كان نائب رئيس الوزراء السويدي سابقا بِير ألمارْك الذي قال خلال المؤتمر الدولي حول تراث الناجين من براثين النازيين الذي عُقد في مؤسسة ياد فاشيم لتخليد ذكرى الكارثة النازية في نيسان إبريل 2002:
إن انتقاد إسرائيل أصبح مماثلا جدًا للاسامية. فيعبّر هذا الانتقاد عن الرفض لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره في دولته؛ ولا يتم التعامل مع إسرائيل وفقًا لنفس المعايير التي تنطبق على دول أخرى. وإذا كان اللاساميون يسعون في الماضي إلى العيش في عالم خالٍ من اليهود، فإن في أيّامنا هذه تسعى اللاسامية كما يبدو إلى تحقيق وضع يتم فيه تطهير العالم من الدولة اليهودية.
إنتقد توماس ل.  فِْريدْمان الحائز على جائزة بُولِيتصِير للصحافيين النفاق الذي يبديه أساتذة وطلاب لا يتعاملون مع إسرائيل وفقًا لنفس المعايير التي يُطبقونها بالنسبة لدول أخرى. ويتطرق فريدمان إلى مساعيهم لإقناع جامعات بمقاطعة إسرائيل متسائلا:
كيف يُمكن أن تضع مصر في السجن أبرز أنصار الديمقراطية في العالم العربي، بعد محاكمة صورية وليست هناك ولو جمعية طلابية واحدة في أمريكا تدعو إلى مقاطعة مصر؟ (إنني لا أدعو إلى ذلك ولكن الصمت له معنى). وكيف يُمكن أن تحتلّ سوريا لبنان خلال 25 عامًا، وتقضي على الديمقراطية فيه، وليست هناك ولو جمعية واحدة تدعو إلى مقاطعة سوريا؟ وكيف يُمكن أن تحرم العربية السعودية النساء من حقوق الإنسان الأساسية وتحظرممارسة أي دين آخر علنًا على أراضيها، وليست هناك ولو جمعية طلابية واحدة تدعو إلى مقاطعة العربية السعودية؟
بعد ذلك بوقت قصير، رفع البروفيسور ألان م. دِيرشووِيتس من كلية الحقوق في جامعة هارفارد مسوغًا مماثلا عندما قال إنه إذا ما قدم سائح من كوكب بعيد إلى جامعة أمريكية أو كندية، فإنه سيتوصل إلى الاستنتاج بأن الكرة الأرضية هي مكان سالم ومنصف باستثناء أمة واحدة شريرة تعتزم القضاء على السلام وانتهاك حقوق الإنسان. وهذه الأمّة ليست العراق أو ليبيا أو صربيا أو روسيا أو إيران وإنّما إسرائيل... فليست هناك عرائض مماثلة تدعو إلى اتخاذ إجراءات ضد أي دول أخرى والتي تستعبد أبناء أقليات وتضع في السجن معارضي النظام وتقوم بقتل معارضين سياسيين وبتعذيب أشخاص يشتبه في ضلوعهم بنشاطات إرهابية. كما أنه لا تُبذل جهود مماثلة لإسكات أصوات تأتي من دول أخرى.

 

إنكار الكارثة النازية والتأييد العربي له


توجد هناك بعض الادعاءات والمسوغات التي يستغلّها العرب الذين يقومون بقذف إسرائيل واليهود وهي تشابه تلك التي يستخدمها منكرو الكارثة النازية. وفي الدول الغربية وجدت ظاهرة إنكار الكارثة النازية تعبيرًا لها خاصة على هامش المجتمع. أمّا في العالم العربي فإن من بين مروّجي هذه الأكاذيب بعض الشخصيات والمؤسسات البارزة.
في آب أغسطس 2002 نظّم مركز زايد للتنسيق والمتابعة في أبو ظبي مؤتمرًا حول اللاسامية. وادّعى مركز البحوث هذا والذي يترأسه سلطان بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الوزراء في دولة الإمارات العربية المتحدة، ادّعى أن الكارثة النازية هي خرافة كاذبة. ويبدو أن هذا المعهد حسن السمعة، إذ أنه كان قد استضاف محاضرات ألقاها رؤساء دول ودبلوماسيون غربيون، بمن فيهم الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتير ونائب الرئيس الأمريكي سابقًا آل غور ووزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بِيْكِر.
خلال المؤتمر، قال المدير التنفيذي لمركز زايد محمد خليفة المُرر: "إن أي حديث عن تأريخ اليهود لن يكون كاملا إذا لم يُلق بالضوء على حقيقةٍ يحاول اليهود دائمًا إخفاءها ألا وهي كونهم ينحدرون من أصل غير سامي". وأدلى رئيس قسم الشؤون الإسرائيلية في الجامعة العربية، أحمد جراد الذي مثّل الجامعة خلال المؤتمر بتصريحات يبدو أنها تؤيد موقف المرر. ولم تُبد الجامعة العربية تحفظًا ما من هذه التفوهات المناوئة لليهود التي سُمعت خلال المؤتمر إلا بعد انتقادات لاذعة من قبل منظمات يهودية أمريكية.
كثيرًا ما تتكرّر الادّعاءات الفلسطينية التي تُنكر حقائق تأريخية أخرى ومفادها أنه لم يكن هناك قط هيكل يهودي في أورشليم القدس، أو أن الفلسطينيين هم سلالة الكنعانيين الذين طُُردوا على أيدي الإسرائيليين في العهود التوراتية. ويقول أحد الكتب المستعمَلة في المدارس الفلسطينية إنّ: "الكنعانيين الفلسطينيين وضعوا الألفباء". ويقول كتاب آخر إن " العرب اليبُوسيين قاموا ببنائها (القدس) قبل خمسة آلاف سنة في هذا الموقع المرموق؛ وبقيت منذ ذلك الحين طيلة القرون عاصمة فلسطين".
في هذا السياق، قد نتذكر أنه قبل خمس وعشرين سنة فقط، قال زهير محسن، رئيس الدائرة العسكرية في منظمة التحرير الفلسطينية في مقابلة معه أنه ليس هناك شعب فلسطيني منفرد. "ليس هناك فرق بين الأردنيين والفلسطينيين والسوريين واللبنانيين". نحن جزء من شعب واحد، الأمة العربية. ولا نؤكد على هويتنا الفلسطينية إلا لأغراض سياسية... إن قيام الهوية الفلسطينية لا يأتي إلا لأسباب تكتيكية... ونظرًا لما تقوله غُولدا مِئِير من أنه ليس هناك شعب فلسطيني فإنني أقول إن هناك شعبًا فلسطينيًا منفصلا عن الأردن".

 

نفي الدور العربي في اعتداءات 11  سبتمبر


إن تلك الجماعات التي تبدأ بالاعتداء على اليهود تعتدي لاحقًا عادة على آخرين. وهذا الأمر ينطبق أيضًا على نفي الحقائق. فرغم توفّرجميع الأدلة فإن هناك الكثيرين  في العالم الإسلامي الذين ينكرون حقيقة كون مرتكبي الاعتداءات الدامية في الولايات المتحدة في 11 أيلول سبتمبر في 2001 عربًا. وخلال مؤتمر أبو ظبي في آب أغسطس 2002 المذكور آنفًا، قال محمد خليفة حسن، مدير مركز الدراسات الشرقية في جامعة القاهرة إن "أحداث 11 سبتمبر كانت ملفّقة لأنه ليس لدينا دليل قاطع على هويات مرتكبيها الحقيقيين وأهدافهم".
وفقًا لاستطلاع لمنظمة غالوب، فإن مثل هذا النفي يعمّ معظم أنحاء العالم الإسلامي، الذي "لم يعد يُصدّق أن أسامة بن لادن أو عربًا أو مسلمين هم الذين دبّروا اعتداءات 11 سبتمبر". وهذه الحقائق تجعل الإنسان يفكّر ما هو عمق نفي الحقائق في الحضارة الإسلامية المعاصرة، حتى لو أولينا اهتمامًا محدودًا لاستطلاعات الرأي العام في دول ديكتاتورية أو فاشية.
يقول الدكتور شبلي تلحامي الذي قام بتحليل نتائج الاستطلاع لصالح منظمة غالوب: إنّ ما فاجأني هو أنه لم يكن هناك سوى عدد قليل جدًا من الناس، وحتى في الطبقات العليا، اعتقدوا بأن بن لادن ارتكب الاعتداءات...وبات واضحًا أن الرأي الذي يعكس شبه الإجماع هو أن بن لادن لم يكن مسؤولا عن 11 سبتمبر".
كرّر الشاعر الشهير من نيو جِيرزي أميري بركة في قصيدته عن 11 سبتمبر الموسومة " شخصًا ما فجّر أمريكا" الادّعاء الكاذب بأن اليهود وإسرائيل كانوا على علم مسبق بالاعتداءات، بالإضافة إلى الإشاعة الكاذبة بأن الإسرائيليين لم يصلوا إلى أماكن عملهم في مركز التجارة العالمية في هذا اليوم المشؤوم.
في القصيدة نفسها يُلمح بركة أيضًا إلى هوية أولئك الذين انتخبوا بوش رئيسًا.
قبل مئة عام، وصف المؤرخ لورْد أكْتون ظاهرة تشويه الحقائق بظاهرة تتسم بها القرون الوسطى." إنهم أصبحوا مرتاحين من كونهم يخضعون للتضليل، على شفق الخيال، تحت غيوم شهادة الزور، يخترعون وفقًا لما يرتؤونه، ومرحّبين بالملفقين والخدعة. ولدى مرور الزمن، أصبح المناخ مشحونًا بكثرة الأكاذيب المجازة، حتى بات فن الكشف عن التضليل والخدعة واضحًا للإيطاليين الأذكياء في عصر النهضة". وأصبحنا نواجه هذه المشكلة أكثر فأكثر في أيامنا هذه.


إنكار الكارثة النازية في المحكمة


بهدف مكافحة إنكار الكارثة يجب تطوير تفاهم عميق للقوى الواقفة وراء هذه الظاهرة. ثم، يجب إيجاد وسائل منهجية فعالة للكشف عن هذه القوى. وفي هذا السياق، فإن الدعوى القضائية التي رفعها المؤرخ البريطاني دِيفيد إيرْفينغ ضد المؤرخة الأمريكية دِبورا ليبْشْتاد هي ذات صلة وثيقة بالموضوع. وجرت المحاكمة في لندن في مطلع عام 2000. وكانت لِيبْشتاد قد قالت خطيًا إن إريفينغ كان يعلم الحقائق عن فترة الكارثة النازية؛ ولكنه قام بتشويه الحقائق عمدًا لتتماشى مع ميوله العقائدية وأجندته السياسية.
كان إيرفينغ كثيرًا ما ينكر حقيقة تخطيط النازيين بشكل منهجي لإبادة اليهود. كما أنه ادّعى أن النازيين لم يستخدموا غرف الغاز في معسكر الإبادة أوشِْفيتس لقتل اليهود. ونادرًا ما دارت هناك جدالات عن أحداث تأريخية إلى هذه الدرجة المفصّلة مثلما جرى في هذه المحاكمة. وفي نهاية المطاف انتصر التأريخ. فقد أصدر القاضي تْشارِلْس غْريي حكمه بأن لِيبشتاد وناشري كتابها وفّروا الأدلة على صحة ما جاء في الكتاب. وتوصل القاضي كذلك إلى الاستنتاج بأن إيرفينغ " يُنشر مرارًا وتكرارًا أقوالا مناوئة لليهود وليس هناك ما يدعمها تأريخيًا بل هناك تناقض بينها وبين الحقائق التأريخية". ولا يجب على أحد قضاء الوقت في المحكمة في لندن لإثبات نفس الأمر بالنسبة لمنكري الحقائق الفلسطينيين والعرب المذكورين آنفًا.
إن منكري الكارثة من الدول الغربية ومشوهي التأريخ العرب على حد سواء يكشفون الحقائق عن مجتمعنا. وتعقيبًاعلى ظاهرة إنكار الكارثة لاحظت ليبشتاد:
من الأهمية بمكان أن ندرك أن منكري الكارثة لا يعملون في الفراغ. فيعود جزء من نجاحهم إلى المناخ الفكري الذي وضع بصماته على العالم المثقّف خلال العقدين الماضيين. إن منكري الكارثة يدفعون قضيتنهم في الوقت الذي يبدو أن جزءًا كبيرًا من التأريخ بات قابلا للتفسير، وفي الوقت الذي أصبحت الاعتداءات على التقاليد العقلية الغربية ظاهرة مألوفة.
تعرض دبورا ليبشتاد في مقابلة معها رؤيا شاملة للأساليب المستخدَمة لإنكار حدوث الكارثة وتطور هذه الأساليب خلال العقود القليلة الماضية.

تحالفات:اليمين المتطرف واللاسامية العربية


إن العلاقات بين المتطرفين اليمينيين في الدول الغربية والمتطرفين العرب والإسلاميين قد تتطور في طرق عديدة مثيرة للقلق. وفي تشرين الثاني نوفمبر 2001، قال مايْكل فْريدمان والذي كان حينئذ الرئيس المنتخَب للكونغرس اليهودي في أوروبا في مقابلة مع صحيفة دِي فِيلْت الألمانية إن أهم قضية تتصدر جدول أعمال منظمته خلال السنوات القليلة القادمة هي قضية مكافحة اللاسامية. وأضاف فريدمان أن هذا الأمر لا يمكن أن يقتصر على المستوى القومي وأعرب عن خشيته من إنشاء تعاون بين متطرفين إسلاميين وراديكاليين يمينيين. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، أعرب العديد من المتطرفين اليمينيين عن تأييدهم لاعتداءات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة.
في تشرين الأول أكتوبر 2001، احتفل أعضاء الحزب القومي الديمقراطي النازي-الجديد في ألمانيا بوقوع  اعتداءات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، خلال تظاهرة في برلين بمناسبة الذكرى ال11 لتوحيد ألمانيا. ووُصفت الاعتداءات في لافتات وكلمات ألِقيت خلال التظاهرة برد له ما يُبرّره على السياسة الأمريكية، كما احتجّ المتظاهرون على تأييد ألمانيا ل"الإرهاب الأمريكي".
كان أحد المشاركين في التظاهرة منكر الكارثة أحمد هُوبر الذي اعترف بأنه التقى أنصار بن لادن في بيروت عدة مرّات. وكان هوبر أحد منظمي المؤتمر لإنكار الكارثة الذي كان مقرّرا عقده في وقت سابق في 2001. ولم يتم إلغاء هذا المؤتمر إلا بعد ضغوط دولية. وكان هوبر عضوًا في مجلس إدارة شركة التقوى المالية في لُوغانو، والتي تم تجميد حساباتها المصرفية بعد أن نشر الرئيس بوش قائمة بأسماء أشخاص وشركات يُشتبه في أنهم على علاقة بتنظيم القاعدة. وأدرِج على هذه القائمة اسما هوبر والتقوى.
في 14 تموز يوليو2002، الذي يصادف العيد الوطني الفرنسي، حاول يميني متطرف اغتيال الرئيس الفرنسي جاك شِيراك. وكان هذا الشخص المدعو ماكْسِيم بْرونِيري ينتمي إلى جماعة "يُونيتي راديكال" وهي جماعة يمينية متطرفة كانت تسعى إلى التعاون مع العرب ضد اليهود.

 

تحالفات: اليسار المتطرف والفلسطينيين


إنّ اليسار المتطرف في أوروبا كان معروفًا منذ عشرات السنين بتأييده الشديد للإرهاب العربي. وقبل حوالي 25 عامًا، قال زعيم طلابي ألماني سابقًا إن "حرص اليسار المتطرف على ممارسة العنف ولغة الكراهية التي يستخدمها، قد يطمسان الخط الفاصل بين معارضة الصهيونية التي يبديها اليسار الجديد وبين اللاسامية المحضة". وفي هذا السياق يُشار إلى إقامة جماعة سُوليداريتات إينْتِيرْناتسْيُونال وهي جماعة أنشئت لغرض منع نائب رئيس الجامعة العبرية من إلقاء كلمة خلال اجتماع في جامعة كِيل. وقد خلصت كراسة وزّعتها سوليداريتات إينترناتسيونال إلى القول: “ Schlagt die Zionsiten tot, macht den Nahen Osten rot” (إضربوا الصهاينة حتى الموت، اجعلوا الشرق الأدنى أحمر).
في تشرين الأول أكتوبر 1982، ارتكب إرهابيون فلسطينيون اعتداء دمويًا على الكنيس الرئيسي في روما. وبعد ذلك بأسبوعين، رسمت حركة دِيموقراتسيا بْروِليتَارْيا على بوّابة كنيس صغير في Via Gargagnana: "فلنحرق مخابئ الصهاينة". وقال الصحافي الإيطالي ماوْرِيتْسيو موليناري: " كانت الجدران في المدن الإيطالية الرئيسية معرَّضة لرسم  شعارات لاسامية مثل "الموت لليهود" أو "عودوا إلى المحارق" طيلة سنوات عديدة. إن هذه الشعارات لم تعد مذيّلة بتواقيع الفاشيين الجدد من اليمين المتطرف، وإنما بتواقيع حركات مختلفة من اليسار مؤيدة للفلسطينيين".

 

إيديولوجيات القتل


في أيلول سبتمبر 2002، ألقى تِيد هُونْدِيرِيتش، أستاذ ينحدر من أصل كندي في قسم الفلسفة في جامعة كُوليج بلندن، ألقى محاضرة في جامعة تورونْتو. وقال هونديريتش إن للفلسطينيين حقًا أخلاقيُا في تفجير اليهود. بل وحرّض هوندريتش الفلسطينيين على القيام بذلك بالقول إن "الدفاع عن حق أخلاقي للفلسطينيين في ممارسة إرهابهم يعني بالفعل أنه لهم الحق في ممارسة الإرهاب، أي هذا الامر جائز إذا لم يكن إلزاميًا". ولاقى هذا التحريض على العنف تأييدًا. فعقب المحاضرة، " انتظر أشخاص من الجمهور أدوارهم للتعبير عن تأييدهم للنقاط الرائعة التي عرضها هونديريتش في نظرياته الفيلسوفية".
إذا ما أخذ أحد ادّعاءات هُونديريتش إلى مسافة أبعد إلى حد ما، فإن كل من ينتقد مجتمعه، ويعتقد هو وعدد قليل من الآخرين بأن لهذه الانتقادات ما يبرّرها، قد يكون صاحب الحق الأخلاقي في قتل زعمائه. وإذا ما رغب في قتل أي عدد من أفراد هذا المجتمع أو إلحاق أشد الإصابات بهم من خلال عمليات تفجير انتحارية، فله الحق في القيام بذلك وفقا لما يقوله هونديريتش.
يمكن الكشف عن كون ادّعاءات هوديرييتش غير معقولة إلى حد كبير من خلال التساؤل كيف ردّ هونديريتش نفسه عندما وقف خلال المحاضرة مواطن إسرائيلي، ثكل عائلته في الكارثة النازية وقال:
لقد تكبّدت عائلتنا خسائر غير أخلاقية فظيعة بسبب أشخاص حرّضوا على العنف ضد أفرادها وبسبب آراء تمخضت عن عمليات قتل مروّعة. إن ما أسمعه في كلامك هو نفس التحريض. هل تستطيع أن تشرح لي لماذا، وفقا لما تدّعيه، ليس من واجبي الأخلاقي غطسك في النفط وإحراقك؟
إن هناك ما يجمع بين الإيديولوجيات المتطرفة الثلاث التي نشأت في القرن العشرين: النازية والحركات اليمينية المتطرفة المنبثقة عنها؛ الشيوعية والحركات اليسارية المتطرفة المنبثقة عنها والإسلام الراديكالي  وأنصاره المتطرفون. ويقول المؤرخ روبيرْت وِيسْترِيتْش:
إن هناك نفس التعامل مع اليهودي كعنصر ثوري وهدّام ومتآكل؛ بنشاطاته الخفية والسرية والمتلاعبة؛ في حرصه على السلطة وحبه العظيم للمؤامرة؛ توقه إلى الذهب وتقويضه التماسك الاجتماعي وقيم العائلة والوطن والدولة. وتظهر نظرية المؤامرة العالمية في الإسلام المتطرف (وفي التطرف القومي العربي) في نفس الصفات التي تتنبأ بنهاية العالم التي استخدمها النازيون والستالينيون. فهناك نفس الصراع بين قوى النور والخير والحق من جهة وقوى الظلام والشر الشيطاني والكذب- والتي تُولََى بطبيعة الحال إلى اليهودي- من الجهة الأخرى.
يُجري مؤرخ الكارثة النازية الإسرائيلي يْهودا بَاوِير تحليلا مفصلا للقاسم المشترك بين النازية والشيوعية والتطرف الإسلامي.

 

تحويل قضية حقوق الإنسان إلى منتدى للعنصرية


بلغت الدعاية اللاسامية ذروتها مؤخرًا خلال مؤتمر الأمم المتحدة ضد العنصرية الذي عُقد في دِربن بجنوب إفريقيا في أيلول سبتمبر 2001. وكانت الحكومات العربية على رأس القاذفين بإسرائيل واليهود وحظيت بتأييد من العديد من الدول الإسلامية وعدد ملحوظ من المنظمات غير الحكومية، بما في ذلك منظمات من الدول الغربية. واختطف القاذفون مصطلحات مثل "الإبادة الجماعية" و"الكارثة النازية " و"التطهير العرقي" وحتى "اللاسامية" واسغلوها ضد اليهود، الذين كانوا أول ضحايا هذه المظاهر.
لخّصت عالمة السياسة الكندية آن بَايِيفْسْكي الأحداث بالقول:
أصبح المؤتمر الدولي ضد العنصرية منتدى للعنصرية. وتم استغلال حقوق الإنسان ليس كوسيلة تسهل عملية التحاور وإنما كسلاح يُستخدم لدفع مصالح سياسية تتناقض وحماية حقوق الإنسان. وكانت مجموعة ضمّت عددًا كبيرًا من الدول تسعى إلى تخفيض معالجة موضوع الكارثة إلى اقصى درجة أو عدم معالجته على الإطلاق، وإلى إعادة تحديد اللاسامية وإلى عزل دولة إسرائيل عن المجتمع الدولي بصفتها دولة تمارس العنصرية وترتكب جرائم ضد الأنسانية. وكان مقررًا محو الآثار التي تشير إلى كون اليهود ضحايا بشكل منهجي، من خلال عدم الإشارة إلى اللاسامية والكارثة، وحلّ محلها الضحايا الفلسطينيون العائشون تحت القمع العنصري شبه النازي.
شملت الكتابات التي تحرض على الكراهية والتي تم توزيعها على المشاركين في مؤتمر المنظمات غير الحكومية رسومًا كاريكتيرية لليهود لهم أنوف معقوفة وأيديهم ملطخة بدم فلسطيني، وحولهم الأوراق النقدية وإسرائيليون يرتدون الرموز النازية. وخلال مؤتمر الحكومات، قام مشاركون من المنظمات غير الحكومية كل يوم بتوزيع كراسات كُتبت بعنوان: "نظام الفصل العنصري النازي الإسرائيلي"، في الوقت الذي كانت دول مثل سوريا وإيران واللتان كانتا في اللجان المنبثقة عن المؤتمر، تعارض إدراج موضوع اللاسامية أو الكارثة النازية على جدول الأعمال، معللة ذلك بأن اللاسامية هي فكرة معقَّدة لافتة للنظر بغرابتها، وبالقول إن الإشارة إلى الكارثة ستنطوي على عدم التوازن وعلى التحيّز.
شهد مؤتمر دربن عدة أشكال من التعاون بين عدد من فروع حركة حقوق الإنسان الغربية ودول جعلت عمليات جز الرؤوس وقطع أعضاء الجسم عمليات علنية. والتزمت بعض منظمات حقوق الإنسان جانب الصمت أو أيدت القرار الذي قال إن "الصهيونية عنصرية". وفي تشرين الثاني نوفمبر 2001، خلال مؤتمر الكونغرس اليهودي العالمي الذي عُقد في أورشليم القدس، استنكر كُوتلير عددًا من المنظمات الغربية لسوء استعمالها حركة حقوق الإنسان.

 

دِربِن والمنظمات غير الحكومية: القائمون بالتضليل


نظرًا لما تمخّض عنه مؤتمر دربن من نتائج سلبية، انتقدت باييفسكي منظمات حقوق الإنسان الغربية البارزة بالقول:
كانت منظمات غير حكومية دولية لحقوق الانسان على رأس المؤيدين لمؤتمر دربن ولحملة التضليل. وكانت منظمة هيُومين رَايتْس وُوتْش التي أخذت بالحسبان حقيقة كون بعض مُموّليها يهودًا قد ادّعت بأنها ‘لعبت دورًا هامًا في توجيه الانتقاد للانتقادات غير اللائقة التي سُمعت في منتدى المنظمات غير الحكومية‘. ولم تُشر المنظمة إلى أنها التزمت جانب الصمت تجاه إسكات أصوات منظمات غير حكومية يهودية وجعل شعار "الصهيونية هي العنصرية" يستولي على جدول الأعمال.
إتّخذت منظمة العفو الدولية موقفًا أقلّ حذرًا. فيتحدّث تقريرها لعام 2002 عن نجاح المؤتمر في "إلقاء الضوء على حجم العنصرية في مختلف أنحاء العالم (مثل)... ضائقة... الفلسطينيين".
قالت منظمة العفو الدولية ومنظمات غير حكومية أخرى إنها ستواصل حملتها لضمان عدم نسيان الحكومات لالتزاماتها بمكافحة العنصرية. وبالفعل، وبالتحديد، وفقًا لما جاء في بيان المنظمات غير الحكومية، فإن منظمة العفو الدولية ومنظمات غير حكومية أخرى تعهدت ب"الدعوة إلى إعادة العمل بقرار الأمم المتحدة 3379 الذي يَعتبر الصهيونية شكلا من العنصرية" و"دعوة المجتمع الدولي إلى ممارسة سياسة تقضي بعزل إسرائيل تمامًا بصفتها دولة تنتهج الفصل العنصري".
لم تُكرس أي من المنظمات وقتًا لتحليل طابع الاعتداءات الفلسطينية إلا بعد ذلك بوقت طويل. ففي تشرين الثاني نوفمبر 2002 نشرت منظمة هُيومين رايتس وُوتش تقريرًا يقع في 170 صفحة عن الموضوع وقالت فيه" إن الفلسطينيين الذين ارتكبوا هجمات انتحارية ضد مدنيين إسرائيليين يُتهمون بارتكاب ‘جرائم ضد الإنسانية‘". وأضافت أن " ياسر عرفات لم يعمل ما فيه الكفاية على ردعهم".

 

من جوهاِنْسبُورغ إلى دِربن


حاول الفلسطينيون خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة الذي عُقد في جوهانسبورغ في صيف 2002، حاولوا تشويش الفعاليات التي نظّمتها إسرائيل. وفي هذه المرة قامت حكومة جنوب إفريقيا بكبح جماح المتظاهرين.
توصّل شِمعون سامُوئِلس، المدير الأوروبي لقسم العلاقات الدولية في مركز سَايمُون فِيزْنتال في باريس والذي حضر المؤتمر، توصل إلى الاستنتاج بأن:
ما بدأ في دِربن لم ينتهِ هنا... فهناك نفس التيارات العاملة تحت سطح الأرض ونفس الدوافع للسياسة الخارجية، رغم جميع القضايا الهامة التي يتناولها المؤتمر...إن ما حدث في دربن جعل الأمم المتحدة عاملا مركزيًا في النظرية اللاهوتية الجديدة لحقوق الإنسان التي تَعتبر إسرائيل عدوًا للمسيح... وهكذا تصبح إسرائيل النذل في كل قصة، سواء أ كانت القضية تتعلق بالتنمية المستدامة أو بالصحة أو بحقوق الإنسان... إنك عدو الإنسانية. ما يحدث هنا على مستوى المنظمات غير الحكومية يأتي بالضبط استمرارًا لهذه النظرية.

 

الأمم المتحدة "تجعل إسرائيل نازية"


يخص كوتلير بالذكر مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (UNCHR) لكونها مثلا آخر على الهجمات غير العادلة ضد إسرائيل. ففي حين لم تُوجِّه المفوضية قطّ أي اتهام للصين، وهي إحدى دول العالم الأسوأ أداءً في مجال حقوق الأنسان، فإن نسبة ثلاثين بالمئة من الاتهامات تُوجَّه ضد إسرائيل. وبشكل يشابه ذلك، أصبحت إسرائيل الدولة الوحيدة التي يتم اتهامها، بعد أكثر من خمسين عامًا من بلورة ميثاق جنيف. "ليس كمبوديا، وليس (أي من دول البلقان) التي قامت بعمليات تطهيرعرقي، وليس رواندا حيث وقعت عملية إبادة شعب، وليس السودان حيث تقع ميادين القتل". ويُفصّل كوتلير الطرق التي تَستخدمها الأمم المتحدة لعزل إسرائيل والشعب اليهودي وممارسة التمييز ضدهما على الساحة الدولية.
في أيلول سبتمبر 2002، كُشف النقاب عن نشاط مناوئ لإسرائيل في وكالة أخرى تابعة للأمم المتحدة. فجاء في تقرير الجامعة ضد القذف والتشهير (ADL) أنه يتم تدريب أطفال فلسطينيين على ارتكاب اعتداءات إرهابية في مخيمات صيفية تُنظّمها السلطة الفلسطينية وحركتا حماس والجهاد الإسلامي. ويشير المدير الوطني للجامعة ضد القذف والتشهير أبراهام فُوكْسمان إلى أن بعض هذه المخيمات مُوّلت من قبل صندوق رعاية الأطفال التابع للأمم المتحدة اليونيسيف "وهو منظمة كانت تسعى تقليديًا إلى تحسين رفاه الأطفال".
تقول الجامعة ضد القذف والتشهير: "خلال المخيمات الصيفية، تم تشجيع الأطفال على التدرّب على ارتكاب اعتداءات إرهابية وعلى استخدام البنادق، كما تم تدريب الأطفال على تفجير حافلات إسرائيلية ووضع عبوات ناسفة في مستوطنات. وتم تمجيد مرتكبي اعتداءات انتحارية من خلال إطلاق أسمائهم على بعض الجماعات في المخيمات الصيفية".
في تشرين الأول أكتوبر 2002، غرقت مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سابقًا جِيين كِيرْباتْرِيك في الذكريات من فترة أدائها مهام منصبها هذا من 1981-1985. وقالت كيرباتريك في خطاب ألقته خلال مأدبة عشاء أقامتها المنظمة الصهيونية في الولايات المتحدة عام 2002 بمناسبة توزيع جائزة القاضي لويِس د. بْرانْدايْس: " إن الأمم لم تتحسن بشكل ملحوظ خلال السنوات التي مرّت منذ توليت أنا منصبي هناك، وأنها لم تتحسن على الإطلاق فيما يتعلق بتعاملها مع إسرائيل... وقد أُصِبْتُ بصدمة شديدة من المناخ المشحون باللاسامية في هذا المكان... ويجب علينا أن نتحدّث بوضوح وبصراحة ضد الإفتراءات التي تُسمَع في الأمم المتحدة".

 

التحيّز الأوروبي ضد إسرائيل


لدى التحدّث عن تشويه سمعة إسرائيل والشعب اليهودي، تتم الإشارة في العديد من الأحيان إلى أن القائمين على القذف والتشهير هم من دول عربية غير ديمقراطية لم تكن ذات مكانة مرموقة من الناحية الأخلاقية في العالم حتى قبل 11 سبتمبر 2001. وقال المدافعون عن القائمين بالتشهير إنه لا يمكن مقارنتهم بالنازيين، والذين لاقت أفكارهم آذانًا صاغية في العديد من الدول الأوروبية الممتلأة باللاسامية.
يتجاهل هذا الرد عوامل عديدة أخرى تُعزّز عملية التشهير. وتشمل هذه العوامل النفوذ في هيئات اجتماعية غربية لها مصالح اقتصادية وتجارية في العالم العربي واعتماد الدول الأوروبية على صادرات النفط من الدول العربية وسائر الدول الإسلامية، بالإضافة إلى العدد الكبير للمسلمين القاطنين حاليًا في الغرب، والذين يكون العديد منهم أصحاب حق اقتراع. وخلال السنوات القليلة الماضية أشارت الأدلة إلى أن المتطرفين المسلمين باتوا يختلطون بغالبية المسلمين المعتدلين ويمارسون نفوذهم عليهم.
كثيرًا ما قرّر الاتحاد الأوروبي اتخاذ مواقف مؤيدة للعرب في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. ويتم التجاهل عمدًا من الطابع غير الديمقراطي والديكتاتوري للعالم العربي ومن التأييد للإرهاب في قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني، كما يتم التجاهل عمدًا من كثرة الأدب اللاسامي الفاشي والنازي الجديد في العالم العربي. وغض زعماء أوروبيون النظر أيضًا عن قيام فلسطينيين بإعدام فلسطينيين آخرين أو إقدامهم على عمليات فتك بفلسطينيين آخرين.
في الوقت نفسه، في العديد من الأحيان قام رجال سياسة أوروبيون ووسائل الإعلام في أوروبا بتوجيه استنكارات لإسرائيل على خلفية أخلاقية بشكل مبالغ فيه وغير معقول. ورغم كون الأوروبيين من أتباع القائمين بالتشهير وعدم كونهم على رأسهم، فإنهم يلعبون دورًا هامًا جدًا. وتنطوي مواقفهم على النفاق بوجه الخصوص إذا أخذنا بالحسبان تأريخ القارة الأوروبية، ليس خلال أيام الكارثة النازية فحسب، وإنما قبلها وبعدها أيضًا.

 

حكومات أوروبية تُخفي اللاسامية


تُرتَكب اعتداءات جسدية عنيفة على خلفية لاسامية على أيدي أشخاص يعيشون على هامش المجتمع، يكونون كثيرًا ما عربًا. ويَعتقد بعض المراقبين حاليًا بأن المواقف السياسية الأوروبية حيال إسرائيل ساهمت في وضع البنية التحتية العاطفية لممارسة هذا العنف.
تُخفي حكومات أوروبية في العديد من الأحيان مظاهر اللاسامية المحلية. وعلى سبيل المثال يقول العالم الاجتماعي الفرنسي شْمُوئِيل تْرِيانْغو:
إن أفضل مثل على هذا الوضع هو الاعتداءات اللاسامية على طوائف يهودية في فرنسا تُقدم عليها جماعات من شمال إفريقيا ردًا على ما يحدث في الشرق الأوسط. فقد وقع هناك حوالي 450 اعتداءً لاساميًا في الفترة ما بين خريف 2000 وربيع 2002. ورغم ذلك فإن وسائل الإعلام والسلطات فرضت خلال أكثر من عام تعتيمًا إعلاميًا على هذه الاعتداءات. وأثار هذا التعتيم الإعلامي بالإضافة إلى التحيز للفلسطينيين في وسائل الإعلام والرأي العام، أثار الشعور بالعجز وبالخذلان لدى الطائفة اليهودية.
يتناول تقرير نشرته لجنة المحامين لحقوق الإنسان تحت عنوان النار والزجاج المحطّم: نشوء اللاسامية في أوروبا، يتناول الموضوع نفسه بإسهاب. وقال مايكِل بُوزْنِير، المدير التنفيذي لهذه الجماعة المستقلّة التي تتخذ من نيو يورك مقرًا لها بمناسبة نشر التقرير:
إن حكومات أوروبية تكشف عن مظاهر العنف على خلفية لاسامية بشكل غير وافٍ، عندما لا تقوم بعض هذه الحكومات إلا بنشر معلومات قليلة حتى عن أخطر جرائم الكراهية. فإن نشر معلومات دقيقة عن جرائم تقع على خلفية العنف العنصري ونشر هذه المعلومات فور وقوع هذه الجرائم، يُعتبران حيوييْن لاتخاذ اجراءات فعالة للقضاء على مثل هذا العنف.
نشرت المنظمة كذلك بيانًا صحافيًا جاء فيه:
شملت العداوة لليهود في أوروبا اعتداءات جسدية على أفراد، عمليات إطلاق نار والقاء زجاجات حارقة وتحطيم زجاج نوافذ وتخريب منازل تابعة لليهود، ومدارس وكُنس وغيرها من مؤسسات الطوائف اليهودية. وقام الهمجيون بتدنيس العشرات من المقابر اليهودية في المنظقة، ورسموا شعارات مناوئة لليهود ورموزًا نازية على الجدران المحيطة بالمواقع اليهودية، وحطّّموا وخرّبوا شواهد قبور... تعرض يهود وأشخاص كان مفترضًا أنهم يهود لاعتداءات داخل مراكز تابعة للطائفة اليهودية وبمحاذاتها، وفي منازل يهودية وبشكل أكثر عشوائية في أعمال عنف وقعت في الشوارع. قام معتدون رددوا هتافات عنصرية بإلقاء الحجارة باتجاه أطفال لدى خروجهم من مدارس لتعليم اللغة العبرية وباتجاه مصلّين لدى مغادرتهم مواقع العبادة. وخلال أعمال العنف في الشوارع، أصاب معتدون ردّدوا هتافات عنصرية أشخاصًا بجروح خطيرة لمحض كونهم ذوي ملامح يهودية. ونتيجة لذلك، يسود هناك مناخ مليئ بالرعب والتحريض على المزيد من الكراهية والعنف، خاصة في المناطق حيث فلت مرتكبو الاعتداءات اللاسامية من العقاب.
...

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
           
     الردود (feedback) | خارطة الموقع