في إطار التغطية الإعلامية الواسعة للحفريات الجارية منذ أسبوعين قرب باب المغاربة , ثار وأكثر من مرة السؤال, لماذا يجب القيام بأعمال حفريات أثرية خلال هذه الفترة بالذات, وفي مكان له مثل هذه الحساسية. اذ في بعض الأحيان, كان يمكن الفهم من تقارير وسائل الإعلام ان رجال سلطة الآثار قد استفاقوا في يوم صاف وقرروا انه قد آن الأوان للعودة لأعمال الحفريات, الآن بالذات وحصرا قرب الحرم القدسي الشريف.
ولكن الواقع طبعا مختلف تماما . فالحفريات الجديدة الجارية قرب الحرم القدسي ليست نتيجة مبادرة سلطة الآثار او رغبة منها في إشباع الفضول الأكاديمي لدى الباحثين. أعمال الحفر الجارية هي حفريات إنقاذ, الهدف منها توثيق وإنقاذ بقايا أثرية قديمة قبل البدء بأعمال البناء. والسبب الوحيد للقيام بهذه الحفريات, هو خطة تشييد جسر يحل محل المنحدر القائم المؤدي الى باب المغاربة. هذا وقد تم الاعلان عن المنحدر نفسه من قبل مهندسي بلدية أورشليم القدس كموقع خطير في أعقاب عملية انهيار ترابية وقعت في المكان قبل نحو ثلاث سنوات.
من هذه الناحية, فان حفريات الإنقاذ هذه, لا تختلف عن اية حفريات إنقاذ اخرى تقوم بها سلطة الآثار في جميع أرجاء البلاد. ففي كل عام تجري في إسرائيل نحو 300 من حفريات الإنقاذ هدفها واحد ووحيد – توثيق وإنقاذ بقايا أثرية قبل البدء بأعمال البناء. وتنتهي معظم هذه الحفريات بتوثيق المكتشفات الأثرية, نشرها في الادب المختص, والسماح بمواصلة أعمال البناء والتطوير في المكان. نادرًا ما يتم العثور على مكتشف ذي أهمية أثرية وتاريخية عُليا, يستوجب تغيير مخطط البناء والحفاظ على المكتشف الأثري في موقعه.
هذا ما حدث مؤخرا خلال حفريات الإنقاذ التي قامت بها سلطة الآثار في سجن مجيدو لغرض إضافة مبان في تخوم منطقة السجن. وتم خلال هذه الحفريات العثور على مبنى تجمع مسيحي قديم, يسلط الضوء على عملية تبلور المسيحية القديمة في أرض إسرائيل خلال القرن الثالث ميلادي. وبسبب الأهمية الكبرى للمكتشف تقرر الحفاظ عليه في موقعه مع تغيير مخطط بناء السجن.
جنوبي أورشليم القدس, إلى جانب الطريق الرئيسي المؤدي الى بيت لحم, اكتشفت قبل نحو عقد من الزمن خلال حفريات إنقاذ اعتيادية قامت بها سلطة الآثار , بقايا كنيسة مبهرة – كنيسةkathisma , التي شيدت خلال الفترة البيزنطية في المكان الذي استراحت فيه بموجب التراث المسيحي مريم أم المسيح وهي في طريقها لولادة ابنها في بيت لحم. هنا أيضًا أدخلت تغييرات قليلة على مخططات تشييد الشارع الرئيسي المؤدي من أورشليم القدس الى بيت لحم بهدف الحفاظ على المكتشف الأثري.
جرت في البلدة القديمة من أورشليم القدس ومحيطها عشرات حفريات الإنقاذ خلال السنوات الأخيرة. هذه الحفريات, تمت في سياق أعمال بناء عامة وخاصة, بضمن ذلك في أماكن تتسم بالحساسية الدينية والسياسية الكبيرة. هكذا مثلا جرت خلال السنوات الأخيرة عدة حفريات إنقاذ داخل كنيسة القيامة وفي المباني المجاورة لها, وذلك بتعاون كامل مع زعماء الطوائف المسيحية المسؤولة عن الموقع المقدس. وتجري في باحة حائط المبكى نفسه منذ شهور كثيرة حفريات إنقاذ واسعة النطاق, تم خلالها اكتشاف بقايا المحور الشرقي – أحد الشوارع الرئيسية في أورشليم القدس خلال العهدين الروماني والبيزنطي. وبخلاف الحفريات التي بدأت هذا الاسبوع قرب باب المغاربة, فان الحفريات في باحة حائط المبكى لم تثر لسبب ما اي انتباه او احتجاج سياسي.
والحفريات التي بدأت خلال هذه الأيام قرب باب المغاربة, لا تختلف بجوهرها عن اية حفريات إنقاذ أخرى جرت في أورشليم القدس خلال السنوات الأخيرة. هنا ايضا السبب الكامن وراء إجراء الحفريات هو مخطط بناء يعتزم القيام به في المكان, وقد تحددت مناطق الحفريات بموجب مخطط البناء ولا يتم حفر أي أماكن سوى تلك التي يخشى من أن تلحق بها أضرار.
والأهم من كل شيء – خلافًا للاتهامات المتكررة بشأن الخطر المتوقع أن يلحق بجدران الحرم القدسي الشريف او بالمباني التاريخية والدينية الموجودة في إطاره, يؤكَد أن جميع أعمال الحفريات تجرى خارج أسوار وجدران الحرم القدسي الشريف وهي لا تعرض للخطر استقرار وثبات الأسوار والجدران او الحرم القدسي الشريف نفسه بأي شكل من الأشكال.
إلا أن للأسف الشديد هناك جهات مختلفة يكون من المريح جدا لها – وليس لأول مرة- أن تربط بين الأعمال المهنية الأثرية وبين الخلاف القومي والسياسي القائم في أورشليم القدس وتستغل الحفريات الأثرية في خدمة مصالحها.