السيدة رئيسة الكنيست ،
سمو مستشارة الجمهورية الفيدرالية الألمانية السيدة أنغيلا ميركل ،
أعضاء الحكومة ،
نواب الكنيست ،
أيها الضيوف الكرام والأصدقاء الأعزاء ،
إن هذه الدورة الخاصة للكنيست الإسرائيلي تكرّمك ، أيتها السيدة المستشارة ، بصفتك زعيمة شجاعة وفذة لشعبك وشخصية أخلاقية استثنائية وصديقة متواصلة ووفية للشعب اليهودي ودولة إسرائيل. إنها ليست المرة الأولى التي نتشرف فيها باستضافتك في دولة إسرائيل حيث نكن لك مشاعر التقدير والاحترام.
أهلاً وسهلاً بك في بلادنا وفي مدينة أورشليم القدس العاصمة الأبدية لشعبنا ، تلك المدينة التي نظم عنها الشاعر [الألماني اليهودي الأصل] هاينريخ هايينه في قصيدته "يهودا هليفي" السطور الآتية التي تنم عن مغزى يهودي عميق:
"منذ نعومة أظفاره
كانت هي جلّ حبه
وارتعش قلبه لمجرد سماع
كلمة ’أورشليم’.."
سيدتي ، إن علاقات الصداقة الوطيدة بين ألمانيا وإسرائيل ليست علاقات عادية بين شعبين. إنها تحمل في طياتها عبء الذاكرة التأريخية التي يلتزم بها كلا الشعبين ، لكنها لهذا السبب بالذات تنطوي على القوة والحساسية والمضمون بصورة لا مثيل لها في أي مكان آخر وهي تغيب عن نسيج العلاقات بين أي دولتين سياديتين أخريين على الساحة الدولية. إن هذه العلاقات المتميزة هي قدوة للتسامي فوق الرواسب القاتمة والمظلمة دون التنكر لها مثلما هي نموذج من القدرة الإنسانية على تجاوز الصعاب ومد الجسور الثابتة فوق الهوة السحيقة.
كانت دولة إسرائيل قد قامت قبل 60 عاماً في ظل المحرقة النازية (الهولوكوست) التي أبادت نحو ثلث أبناء شعبنا. ولم تمضِ إلا سنوات قلائل بعد قيام الدولة وقد تم غرس البذرة الأولى التي تنامت منها وتفرعت الصداقة المتجددة بين شعبيْنا بما كان يناقض تماماً كل الاحتمالات السابقة. لقد تجرأ زعيمان كبيران من طرفَي الهاوية هما دافيد بن غوريون وكونراد أدناؤور على صنع المستحيل وغرس شتلة رقيقة في أرض الرماد المحروق التي كان يبدو أنها لم تعُد تستطيع أن تينع وتزدهر.
عندما طُرحت لأول مرة قضية الاتصالات مع ألمانيا الغربية على الكنيست الإسرائيلي ، ذلك المجلس الذي تحلّين ضيفة شرف عليه اليوم ، أيتها سيدتي ، اهتزّت أركان الكنيست وهاجت وماجت – وبحق – بصورة لم تشهد لها مثيل إما قبل تلك المناسبة أو بعدها. غير أن تلك البذرة التي غُرست آنذاك ، عام 1952 ، قد تفجرت وضربت بجذورها وأنمت ساقها وغيرت المنظر الشحيح والقاحل المليئ بالآلام والشجون الذي بقي عالقاً بين شعبيْنا.
إن هذا الالتزام المشترك باستذكار ما حدث واستخلاص عِبر الماضي والكفاح بلا هوادة ضد أي محاولة للإنكار والنسيان يشكل القاعدة التي قامت عليها العلاقات بيننا ونُسجت خيوطها.
أيتها السيدة المستشارة ،
إن زيارتك الهامة لدولة إسرائيل تفسح أمامنا المجال لإجراء مباحثات مباشرة وعلى أعلى المستويات حول مجمل القضايا الثنائية الحيوية التي تخص بلديْنا وكذلك القضايا المتصلة بإسرائيل والاتحاد الأوروبي وفي طليعتها مشكلة سعي إيران للحصول على السلاح النووي والقضية المؤلمة لجنودنا المخطوفين والمفقودين التي يبذل فيها مندوبوك جهوداً إنسانية تستحق التقدير.
إنني أود ، سيدتي ، أن أشيد بموقفك الحازم والصارم ضد النداء المخزي الذي أطلقه الرئيس الإيراني لإزالة دولة إسرائيل من الخارطة وضد الحيل والألاعيب الخادعة والمضللة التي تمارسها طهران في مساعيها للحصول على السلاح النووي. قلما نجد مَن يدرك مثلك كيف أن هذه التصريحات الحقيرة لهذا الشخص الذي ينكر حقيقة وقوع المحرقة النازية والذي يقف على رأس السلطة في إيران تمس الأعصاب الشديدة الحساسية في الوعي الجمعي لشعبنا ، وكم يهمّنا موقفك الحازم وموقف ألمانيا من هذه المسألة.
أما ما هزّ نياط قلوبنا على وجه التحديد فكان هذه المقولة التي صدرت عنك مطلع الأسبوع لتقول إن المساس بأمن إسرائيل مثله مثل المساس بأمن ألمانيا. إن الشعب اليهودي لم يعُد عاجزاً كما كان عليه في الماضي ، كما أن دولة إسرائيل ستعرف كيفية الدفاع عن نفسها إزاء أي تهديد وعدوان ، غير أن المشكلة الإيرانية تتخطى حدود الاهتمام الإسرائيلي وتشكل خطراً كبيراً لاستقرار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط بأسرها والسلام العالمي.
لا شك عندي أن موقفك وموقف حكومتك ساهم في تعزيز الجبهة الدولية التي تتصدى للطموحات الإيرانية الجامحة. بيد أن الوضع ما زال يقتضي الكثير من الجهود لوقوف دول هامة أخرى في صف ألمانيا وعدة دول أخرى تتصدر الكفاح الرامي إلى ثني إيران عن توجهاتها الخطرة.
أيتها سيدتي المستشارة ،
إن مسك ختام زيارتك يتمثل بإنشاء منتدى التشاور الحكومي الألماني الإسرائيلي الذي لم تضطلع حكومتك بمثله حتى الآن إلا مع عدد قليل من الدول الأوروبية. إننا نرحب بهذا الأمر ونقدره تقديراً عميقاً ونعتبره هدية غالية وهامة لدولة إسرائيل التي بلغت العام ال-60 من عمرها ، مثلما يكون هذا الأمر آلية لتمتين الروابط والعلاقات بيننا.
لقد ألقت سنوات الحكم النازي والمحرقة بظلالها – لكنها لم تمحُ تماماً الأجيال المتعاقبة من حياة اليهود التي كانت تموج بالحيوية والإبداع الثقافي العظيم على الأرض الألمانية. إن اندماج أبناء شعبنا ومساهمتهم في المجالات الاقتصادية والجامعية والعلمية والقضائية والطبية والأدبية والشعرية والموسيقية والفنية وغيرها من فروع الثقافة والاقتصاد في بلادك – وكذلك في المعمورة جمعاء – لهي منقوشة في فصول التأريخ.
إنني آمل وأعتقد بأننا سنسجل من خلال "العلاقات المتميزة" بين بلديْنا وإنشاء "منتدى التشاور" صفحات هامة أخرى في هذا الفصل الجديد الذي لن ينفصل بجذوره إلى الأبد عن تلك الفصول المظلمة الماضية لكن أعالي شجرته أصبحت الآن تناطح السماء الصافية.
أيتها السيدة أنغيلا ميركل ، الصديقة المخلصة والعزيزة ،
أهلاً وسهلاً بك في بيتنا ، نرحب بحضورك إلى دولة إسرائيل.