الوزيرة روحاما أبراهام بليلا ،
رئيس مجلس مؤسسة "ياد فشيم" تومي لابيد ،
رئيس إدارة المؤسسة أفنير شاليف ،
مدير عام ديوان رئاسة الوزراء رعنان دينور ،
رئيس مركز منظمات الناجين من براثن النازية نوح فلوغ ،
أيها الضيوف الكرام ،
لقد تساءلت طيلة حياتي عما إذا كان يصحّ القول إن دولة إسرائيل هي بمثابة معجزة أم أن إقامتها هي المعجزة بعينها. وقد قال لي الرئيس الفرنسي مؤخراً خلال حديث شخصي بيننا إنه يعتقد بأن دولة إسرائيل هي معجزة القرن العشرين. وقبل لحظات ، ونحن نجلس هنا ، قال لي [رئيس مجلس مؤسسة "ياد فشيم"] صديقي تومي لابيد هامساً من تلقاء نفسه ، تعليقاً على إشارة عريف الحفل إلى هذا الأمر ، إن دولة إسرائيل قد لا تكون معجزة القرن العشرين وحده بل معجزة التأريخ بمجمله. لا أعرف ما إذا كان يجوز القول إنها معجزة أم أن هناك في الأمر ما هو أعمق وأشد تعقيداً ودراماتيكيةً من مجرد معجزة يستحيل شرحها بالمنطق الخاص بكيفية تنامي وتطور ووجود الأشياء. إننا لن نحسم هذه المسألة الآن لكن يجدر بنا بالتأكيد القول إن دولة إسرائيل تُعتبر ظاهرة عجيبة وفريدة من نوعها في تأريخ البشرية. لم تكن هناك ظاهرة إنسانية مشابهة في تأريخ أي شعب من شعوب المعمورة بمعنى ظاهرة عودة شعب إلى بلاده وإحياء لغته وتجديد ثقافته وإعادة إعمار حياته الوطنية والسيادية على أرض قديمة مثلما قام بذلك هذا الشعب منذ أواسط القرن العشرين.
ومن أكثر المظاهر عجباً ومن أشدها تأثراً على صعيد استئناف السيادة اليهودية في بلادنا وصول الناجين من المحرقة النازية إلى هذه الديار ومحاربتهم فيها وسقوطهم دفاعاً عنها ومشاركتهم في بنائها والإبداع فيها ونجاحهم – مع غيرهم – في وضع الأطواق التي حوّلت دولة إسرائيل إلى ما هي عليه اليوم.
كنّا قد تحدثنا خلال العام الأخير عن الناجين من النازية في سياقات مغايرة لا يمكن نسيانها أيضاً ولا نريد جعلها طي النسيان. إذ إن هذه المسيرة الحتمية التي كبُرنا فيها جعلت مشاعرنا أكثر جفاء وخشونة من ذي قبل حيث نسينا أن هناك بين الناجين من النازية أناساً كثيرين لم تعُد لديهم القوة والمراس. إننا لم نعرف أولاً كيف نعاملهم بما يليق بهم ونحرص على العناية بهم ونساعدهم كما كان علينا أن ندرك ونحس بذلك. ولدى احتدام هذا الجدل وما أُنيط به من أقوال حول ذاتنا وعما لم نتمكن من القيام به إلا قليلاً خلال العام الحالي ، فإننا نسينا الحديث عما قام به الناجون من المحرقة من أجل تحويل دولة إسرائيل إلى ما هي عليه. إننا تحدثنا عن معاناتهم ولم نتطرق إلى قوتهم ، وتكلمنا عن ضائقتهم ولم ننوه إلى مساهماتهم ، وذكرنا حالة الذل والهوان التي أبقينا فيها عدداً غير يسير منهم دون أن نؤكد بما فيه الكفاية القوة الهائلة التي مكّنتهم من الصعود من غياهب الظلمات اللامتناهية حيث كانوا إلى أعالي قمم قيادتهم حياة هذه الدولة.
إن المعرض الجديد ، الذي تمكنت في لمح البصر من مشاهدة عناوينه وإشاراته البارزة ، يجعلنا نفقه حقيقة عدم وعينا – ضمن هذا السباق المستحيل الذي نعيشه بوتيرة متسارعة في هذه البلاد – بما يدور يوماً بعد يوم ، أي أننا لم نعد قادرين على استبصار جميع مقومات الصورة الكبرى إذ إنها أصبحت تختلط وتمتزج ببعضها البعض. وكان هناك ما جعل رؤيتنا مضطربة دون أن نتنبه إلى مدى مساهمة هؤلاء الأشخاص [الناجين من المحرقة] في شتى مناحي الحياة. إنهم قدموا إلى هنا من عالم آخر – عالم لا نستطيع ، نحن "أبناء البلد" ، في حقيقة الأمر إدراكه بمجمله – كوننا قد وُلدنا في هذا المكان الذي لا مثيل له وهو يتبعنا إلا أننا لم نأت من المكان الذي جاء منه الناجون من المحرقة. على كل ، يمكننا أن نتبين في بعض مجالات حياتنا ، ومنها عدد من رموز حياتنا الساطعة ، سلسلة من المقولات والجمل والتعابير التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من روح الشعب الإسرائيلي بألمع صوره ، لكنها بالفعل نتاج إبداع أولئك الأشخاص الذين حضروا من عالم آخر حيث لم تكن أرض إسرائيل والروح الإسرائيلية بالنسبة إليهم أمراً بديهياً ، لا بل إنهم اعتُبروا "غرباء" في الوقت الذي صنعوا فيه تلك الرموز المشار إليها وجعلوها تعرض ما نعتز جميعاً بإبرازه بصفته ميزة إسرائيلية خاصة. حري بنا القول – ربما – أننا نتباهى بهذا الأمر لأنه يشكل خير ما انبثق من هويتنا الإسرائيلية وأجملها. عندما نطلع على هذا الأمر نستطيع قياس الأمور بمقاييسها التناسبية الأصح فيما يتعلق بمدى مساهمة وثقل ومغزى وجود الناجين من المحرقة في عمر دولة إسرائيل فيما مضى وفيما سيأتي مستقبلاً.
إنني أشكركم باسم حكومة إسرائيل على قراركم – وعشية حلول ذكرى المحرقة بالذات – افتتاح هذا المعرض. إن هذا المعرض لا يمثل في المحصلة ما كان ماضياً وما يوجد حاضراً فحسب بل أكثر من ذلك ما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً. إذ إن هذه الدولة تستطيع بدافع القوة والاستيحاء بهذه المهاوي السحيقة أن تصوغ ذاتها بصورة لا حد لها.
إنني أشكركم جزيل الشكر.
المصدر: مكتب رئيس الوزراء
* * * * *
لمشاهدة المعرض