كيف يمكن تحقيق السلام؟
لقد كانت إسرائيل ترغب دائمًا بالتوصل إلى حل الوسط, وكانت الحكومات الإسرائيلية جميعها مستعدة لتقديم التضحيات العظيمة من أجل السلام. على كل حال, يتطلب تحقيق السلام تقديم التنازلات واتخاذ إجراءات لبناء الثقة المتبادلة, من قبل الطرفين. ومثلما تكون إسرائيل مستعدة لأخذ الحقوق والمصالح الفلسطينية بعين الاعتبار, فإن لإسرائيل أيضًا حقوق ومصالح شرعية يجب أخذها بالحسبان. ولا يمكن تحقيق السلام إلا من خلال المفاوضات الهادفة إلى جسر الفجوات وحل جميع القضايا العالقة.
تعتقد إسرائيل أنها تتمكن من التوصل إلى السلام مع القيادة الفلسطينية المعتدلة التي ترفض الإرهاب. وعندما التقت إسرائيل في الماضي بالزعماء العرب مثل الرئيس المصري أنور السادات وملك الأردن الحسين, اللذين تكلما بلغة السلام وكانا مستعدين لاتخاذ إجراءات فعلية للتوصل إلى التعايش, فقد توصلت إسرائيل إلى معاهدة سلام معهما وبذلك تحقق السلام. إن إسرائيل جاهزة لتحقيق السلام مع جميع الدول المعتدلة في المنطقة.
ولكن لجعل المفاوضات ممكنة ولإتاحة فرصة النجاح لها, يجب وضع الحد للإرهاب وللتحريض الفلسطينيين اللذين تدعمهما بعض الدول مثل إيران وسوريا. فإن العناصر الفلسطينية المتطرفة مثل حركة حماس, غير مستعدة للاعتراف بحق إسرائيل في الوجود, وهي تستمر في ممارسة العنف ضد إسرائيل, وضد القيادة الفلسطينية المعتدلة وضد مسيرة السلام. فلذلك, لا مكان لهذه الجهات المتطرفة حول مائدة المفاوضات.
إن تفكيك البنية التحتية للإرهاب ليس أول خطوة في خريطة الطريق فحسب, بل أنه يشكل أساسًا لأية مسيرة سلمية. ويتطلب تحقيق السلام خلق جو إيجابي, خالٍ من الإرهاب والتحريض, يشجع على بذل الجهود من أجل التوصل إلى التفاهم. وقد اتخذت إسرائيل, في الكثير من المناسبات, إجراءات لتحسين أسباب المعيشة للفلسطينيين ولإعادة تأهيل الاقتصاد الفلسطيني. إن إسرائيل مستعدة – وستكون مستعدة في المستقبل أيضًا – لأن تقوم بمبادرات حسن النية تجاه المعسكر الفلسطيني المعتدل, مثل تسهيل التحرك من خلال إزالة بعض حواجز الطرق, وتحويل أموال الضرائب, والإفراج عن السجناء. وإسرائيل مستعدة لاتخاذ خطوات مثل هذه, شريطة ألا تمس بأمنها وأن يرفض الفلسطينيون الإرهاب.
أما محاولات يقوم بها الفلسطينيون وبعض الدول العربية لإرغام إسرائيل على الموافقة على المطالب الفلسطينية, لا تقرب الطرفين من السلام. ومن المهم للغاية ألا تؤيد الدول العربية مواقف فلسطينية متشددة, إذ أن ذلك يصعّب على الفلسطينيين أنفسهم قبول حلول الوسط المطلوبة.
ومن الممكن أن تتخذ الدول العربية خطوات إيجابية لتساعد على خلق جو بناء, كما أنها قد تساهم في تنشيط الاتصالات المتعددة الأطراف التي تشجع التعاون الإقليمي. فإن التحرك إلى الأمام والتعاون في مجالات تؤثر على حياة جميع الذين يعيشون في هذه المنطقة سيساهمان, نفسيًا, في مواجهة القضايا السياسية المعقدة التي يجب التعامل معها وحلها.
ويشكل قرارا مجلس الأمن الدولي للأمم المتحدة 242 و-338, المتفق عليهما من قبل جميع الأطراف في المنطقة, خطًا عامًا لإجراء المفاوضات حول التسوية الدائمة. وقد أيدت إسرائيل كذلك تطبيق الإجراءات التي تتضمنها خريطة الطريق. ولكن لن يكون ممكنًا تطبيق خطة خارطة الطريق إلا إذا وفى الفلسطينيون بالتزاماتهم. ولكنهم لم يبدؤوا بذلك حقًا حتى الآن, وخاصة فيما يتعلق بتفكيك البنية التحتية الإرهابية ووضع الحد للتحريض, كما تنص عليه المادة الأولى من خريطة الطريق.
وأخيرًا, إن السلام معناه حل جميع القضايا والتنازل عن جميع الادعاءات ووضع الحد للنزاع. وبعد التوصل إلى معاهدة سلام, يجب فتح صفحة جديدة وتحديد نقطة انطلاق جديدة للعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية وكذلك لعلاقات إسرائيل مع الدول المجاورة لها التي ستتسم بالحوار والتعاون وليس بالعداوة والمواجهة.
ما هو الموقف الإسرائيلي من إقامة دولة فلسطينية؟
لقد أعلنت إسرائيل, مرارًا وتكرارًا, أنها تؤيد فكرة قيام دولتين – دولة إسرائيل ودولة فلسطينية – ستعيشان جنبًا إلى جنب بسلام وأمان وطمأنينة (كما عبر عنه الرئيس الأمريكي بوش في رؤياه من يوم 24 حزيران – يونيو 2002). وترى إسرائيل أن الحل الحقيقي للنزاع سيكون بقيام دولتين وطنيتين وهما: دولة فلسطينية للشعب الفلسطيني ودولة يهودية للشعب اليهودي. ولا تطمح إسرائيل إلى السيطرة على الفلسطينيين, وتعتقد أن قيام دولة فلسطينية ديمقراطية حقًا تربطها علاقات سلمية كاملة مع إسرائيل ستؤدي إلى أن الأمن والازدهار الطويلي الأمد سيسودان إسرائيل كدولة يهودية.
ولا تقلق إسرائيل من فكرة إقامة دولة فلسطينية, وإنما ما يزعجها هو نوع الدولة الفلسطينية التي ستقوم. هل ستكون دولة ديمقراطية, دولة قانون ونظام, تتجنب الإرهاب والعنف والتحريض الأمر الذي سيمكن إسرائيل من العيش بسلام إلى جانبها؟ أو ستكون دولة فوضوية تستمر في سلوك مسلك العنف والإرهاب, وتعرض للخطر ليس إسرائيل وحدها بل المنطقة كلها؟
وليس من الممكن أن تقبل إسرائيل بقيام دولة إرهابية على امتداد حدودها. ويجب أن تأخذ الجهود المبذولة لإقامة دولة فلسطينية بعين الاعتبار الحقوق والمصالح الحيوية الإسرائيلية, خاصة فيما يتعلق بالأمن. وهكذا سيسود السلام والاستقرار هذه المنطقة.
وتهدف إسرائيل إلى أن تكون دولة يهودية ديمقراطية, تعيش بانسجام مع الدول المجاورة لها. فإن هذا الهدف يحمل دولة إسرائيل على تبني رؤيا الدولتين للشعبين كما نص عليه قرار التقسيم للأمم المتحدة من عام 1947. وتدرك إسرائيل أن مستقبل جميع دول الشرق الأوسط المجاورة مرتبط بمستقبل الدول الأخرى. ولا يكتب النجاح لأي سلام لا يأخذ هذه الحقيقة بالحسبان.
لقد مرت ستون سنة تقريبًا وشهدنا عددًا أكثر مما ينبغي من الحروب, حتى اعترف أقرب جيران إسرائيل –الفلسطينيون- بهذه الرؤيا. أما الأحداث التي تلت استيلاء حماس على قطاع غزة , فإنها توحي بأن الوقت لم يكن قط أكثر مناسبًا مما هو عليه الآن للاعتراف أخيرًا بهذه الرؤيا.
إن تأسيس دولة إسرائيل كان بمثابة استجابة للطموحات الوطنية لأبناء الشعب اليهودي- ممن كانوا يعيشون في الأرض المقدسة, أو هربوا من فظائع المحرقة (كارثة يهود أوروبا في الحرب العالمية الثانية), أو طُردوا من الدول العربية. ويجب أن تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية نفس الغرض بالنسبة للفلسطينيين وعليها أن تلبي طموحات أبناء الشعب الفلسطيني أجمعهم, ممن يسكنون في الضفة الغربية وقطاع غزة, أو يعيشون في مخيمات اللاجئين في الدول العربية, أو يقيمون في أي مكان آخر في العالم.
إن إقامة دولة فلسطينية ثابتة ومزدهرة وهادئة, تعتبر مصلحة إسرائيلية. وكما أثبتت إسرائيل في خطة الانفصال عن غزة عام 2005, فإنها مستعدة لاتخاذ خطوات مؤلمة من أجل دفع هذا الغرض إلى الأمام. ولكن, عليها أن تعرف بأن شركاءها جاهزون للتوصل إلى مصالحة تأريخية ستجلب السلام الدائم.
كيف ترى إسرائيل خريطة الطريق؟
خطة خارطة الطريق هي خطة تنفيذية قامت بصياغتها الدول الأعضاء في الرباعية الدولية (الولايات المتحدة, والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة). وفي 25 أيار – مايو 2003 أقرت الحكومة الإسرائيلية الخطوات المبينة في خريطة الطريق أملًا منها في أن تساعد هذه الخطة على التوصل إلى السلام بعد إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين. ولكن الفلسطينيين لم يفوا بالتزاماتهم بموجب أول مرحلة من خريطة الطريق وفي مقدمتها "وضع حد للإرهاب دوت أي شرط".
وتولي إسرائيل أهمية لرؤيا الرئيس بوش من 24 حزيران – يونيو 2004 حول السبل الكفيلة بالتوصل إلى السلام, كما تم ذكره أيضًا في خريطة الطريق. وقد أكد الرئيس بوش في خطابه, أن تحقيق رؤيا الدولتين اللتين ستعيشان بسلام جنبًا إلى جنب يتطلب, في المرحلة الأولى الحاسمة, تطبيق الإصلاحات لدى الفلسطينيين ووضع حد للإرهاب الفلسطيني.
إن الموافقة الإسرائيلية على تطبيق مراحل خريطة الطريق تعتبر مثالاً آخر على أن إسرائيل جاهزة لمد يدها للسلام. وفي طبيعة الحال, يعكس قرار الحكومة الإسرائيلية المشار إليه أعلاه, استعداد إسرائيل لتقديم التنازلات العميقة بهدف وضع حد لهذا النزاع, شريطة ألا تعرض هذه التنازلات الأمن الإسرائيلي للخطر بأي شكل من الأشكال. وعلاوة على ذلك, تريد إسرائيل أن تساهم في تحسين أسباب المعيشة للفلسطينيين وفي إعادة تأهيل الاقتصاد الفلسطيني- وكل ذلك مع أخذ احتياجاتها الأمنية بعيد الاعتبار.
على كل حال, تتطلب خريطة الطريق وكذلك الاستعداد الإسرائيلي للتقدم إلى الأمام أن يفي الفلسطينيون بالتزاماتهم, في كل مرحلة من المراحل. وهناك أهمية حاسمة للمطلب المتضمن في المرحلة الأولى من خارطة الطريق وهو "وضع الحد للعنف دون أي شرط"- وذلك من خلال تفكيك البنية التحتية الإرهابية, ومصادرة الأسلحة, واعتقال المخططين للاعتداءات العنيفة ضد إسرائيليين والمتورطين فيها أينما وجدوا وعرقلة أعمالهم. كذلك يجب على الفلسطينيين أن يضعوا حدًا للتحريض.
بموافقتها على خريطة الطريق تتحمل السلطة الفلسطينية التزامًا لوضع حد للإرهاب والتحريض كما تطالبه خريطة الطريق. على كل حال, تفضل إسرائيل ألا تنتظر تنفيذ المرحلة الأولى من خريطة الطريق وأن تبدأ بالحوار مع القيادة الفلسطينية المعتدلة. ولكن لا يزال تطبيق أية اتفاقية سيتوصل إليها إسرائيل والفلسطينيون متعلقًا بتطبيق خريطة الطريق.
ما هي الدوائر الثلاث لمسيرة السلام؟
في العملية السياسية يمكن ملاحظة ثلاث دوائر تدعم كل دائرة الدائرتين الأخريين. إن الدائرة الأولى وهي الدائرة الداخلية – تمثل المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين. أما الدائرة الثانية فتتضمن الدول العربية في حين تشمل الدائرة الثالثة دول العالم.
إن الدائرة الداخلية تشمل إسرائيل والفلسطينيون, وتكون لب النزاع. وتشكل العناصر المتطرفة التي ترفض التخلي عن طريق العنف والتوصل إلى الحل السلمي العقبة الرئيسية في طريق السلام. ومن جهة أخرى نجد المعتدلين الذين من الممكن التوصل إلى معاهدة سلام معهم شريطة موافقتهم على تقديم التنازلات. ولكنهم أيضا يواجهون صعوبات في قدرتهم على تطبيق أية اتفاقية كانت.
إن الإستراتيجية الإسرائيلية هي إستراتيجية مزدوجة تتعامل فيها إسرائيل بشكل واحد مع قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس وبشكل مختلف مع السلطة الفلسطينية الأكثر اعتدالاً منها والتي يرئسها الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة سلام فياض. ويبدو أن حكومة السلطة الفلسطينية الجديدة وافقت على الشروط الثلاثة التي وضعتها دول العالم وهي: التخلي عن استخدام العنف, واحترام الاتفاقيات السابقة, وقبول حق إسرائيل بالوجود, مما يجعلها شريكة محتملة للسلام. لذلك, تبحث إسرائيل عن أدوات لدعم العناصر المعتدلة, بما فيها منح المعونة المالية, وتقديم المساعدة في المجال الأمني, وتسهيل ظروف المعيشة, وخلق "أفق سياسي". ويمكن للفلسطينيين أن يحصلوا على كل هذا إذا تخلوا عن استخدام العنف والإرهاب.
أما الدائرة الوسطى التي تشمل الدول العربية فيجب عليها أن تصبح طرفًا في هذه العملية.إن مشكلة الاختيار بين إسرائيل والفلسطينيين لم تعد مشكلة في المرحلة الراهنة, بل انها مشكلة الاختيار بين الوقوف إلى جانب السلطة الفلسطينية المعتدلة أو إلى جانب العناصر الإرهابية المتطرفة. ويجب على الدول العربية أن تؤيد العناصر الواقعية في الحكومة الفلسطينية الجديدة وترفض حركة حماس المتطرفة. وإذا تصرفت على هذا النحو, فسيمكن للدول العربية أن تلعب دورًا هامًا في مسيرة السلام.
وفي الماضي, انعدمت مساهمة بناءة لممثلين عن المنطقة كان بإمكانها تقديم المساعدة لمسيرة السلام الإسرائيلية – الفلسطينية. فإن اقتراح جامعة الدول العربية يتيح فرصة للمساهمة الإقليمية البناءة.
وفيما يتعلق بالدائرة الثالثة, وهي الدائرة التي تشمل دول العالم, فقد بدأت أن تلعب دورًا إيجابيًا عندما حددت الرباعية (الولايات المتحدة, والأمم المتحدة, وروسيا, والاتحاد الأوروبي) شروطها الثلاثة للاعتراف بالحكومة الفلسطينية وهي: التخلي عن استخدام العنف, واحترام الاتفاقيات السابقة, والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود (وتعتقد إسرائيل أن على هذا الشرط أن يكون حق وجود إسرائيل كدولة يهودية). ويجب على دول العالم أن تقف إلى جانب الطرف الصحيح في النزاع بين المتطرفين والمعتدلين. وذلك بواسطة اعتبار حماس كيانًا غير شرعي, وتوطيد العلاقات مع الحكومة الفلسطينية الجديدة التي قام محمود عباس بتشكيلها, وكذك فتح أفق اقتصادي للفلسطينيين بالإضافة إلى الأفق السياسي الذي وفرته إسرائيل.
كيف تؤثر سيطرة حماس على قطاع غزة على احتمالات إقامة دولة فلسطينية؟
لقد غادرت إسرائيل قطاع غزة في صيف عام 2005 بهدف خلق فرصة للسلام. وقد أخرجت قواتها المسلحة من غزة, وفكت المستوطنات المدنية هناك ومع ذلك تركت الدفيئات للمزارعين الفلسطينيين أملاً في أن يكون كل ذلك بادرة لإقامة دولة فلسطينية تطمح للسلام. ولكن, بدلاً من ازدهار السلام حصلت إسرائيل على كيان عدواني على حدودها. فتشكل التجمعات السكنية الإسرائيلية المجاورة لغزة أهدافًا لصواريخ قسام تطلق باتجاهها كل يوم تقريبًا, ولمحاولات اعتداءات إرهابية متكررة علمًت بأن البينة التحتية الإرهابية تتوسع بسرعة مثيرة للقلق.
وبالرغم من إرهاب حماس المتواصل, تستمر إسرائيل في الحوار المتواصل مع الفلسطينيين المعتدلين وتريد بذلك نقل رسالة إلى الفلسطيننين مفادها أنه ما دام المعتدلون من الفلسطينيين هم الذين يمثلون طموحاتهم الوطنية, فبإمكانهم الحصول على دولة مستقلة.
والمبدأ الذي يوجه إسرائيل هو التعامل المختلف مع المعتدلين من جهة والمتطرفين من الجهة الأخرى, والتفرقة بين الذين يريدون دائمًا دفع عجلة السلام إلى الأمام وبين الذين تتأسس عقيدتهم على التطرف والتعصب الديني والذين يعاملون حتى الناس الذين ينتمون إلى صفوفهم بمنتهى الوحشية. وتأمل إسرائيل في أن يكون المعتدلون أصحاب النفوذ, ولكن, دون أي شك, يجب على الفلسطينيين أنفسهم أن يقوموا بالاختيار.
بينما يستمر الإرهابيون من حماس في الاعتداء على الأهداف الإسرائيلية, فإنهم في الوقت ذاته سببوا المأساة للفلسطينيين. وكما نعلم من الأحداث في غزة فإن الإرهابيين الذين يدعون بأنهم دفعوا الحقوق الفلسطينية إلى الأمام لم ينجحوا إلا في تقويضها.
من البديهي أنه لا يمكن أن تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية دولة إرهابية. ولهذا السبب أصرت دول العالم على أن الطريق إلى إقامة الدولة الفلسطينية يمر بقبول مبادئ الرباعية الدولية, بما فيها التخلي عن الإرهاب, وتطبيق التزامات خريطة الطريق والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود. هذه هي المبادئ الأساسية للسلام الدائم.
وتلعب الدول العربية دورًا حاسمًا في هذا السياق. وفي الماضي انعدمت مساهمة بناءة للمثلين الإقليميين بدعم مسيرة السلام الإسرائيلية - الفلسطينية. وتعتبر مبادرة السلام الحالية للجامعة العربية فرصة جديرة بالذكر لمساهمة إقليمية إيجابية مثل هذه.
وعلى الرغم من هذا, لا يجوز لنا أن نغرق في الأوهام, فإن أعداء التعايش الذين تقودهم إيران وحزبالله وحركة حماس الخاضعتين لإمرتها, يحاولون بذل قصارى جهدهم لعرقلة أي فرصة لتحقيق السلام. يقوم النظام الإيراني الذي يعلن بشكل صريح أنه ينوي "مسح إسرائيل عن الخريطة" بتحريف الإسلام ليجعله عقيدة سياسية استبدادية تتنكر بزي الدين. وتنوي هذه العناصر أن تحول نزاعًا قابلاً للحل إلى مستقبل مظلم ملؤه اليأس. أما سوريا فهي الأخرى تقوم بتقويض المصالحة الإسرائيلية الفلسطينية, وذلك من خلال دعمها للتنظيمات الإرهابية مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني التي تتخذ من دمشق مقرا لها.
إن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ليس بنزاع غير قابل للحل. هناك قاسم مشترك وهو الرغبة في السلام والتي تدعمها جميع الدول المعتدلة في المنطقة إدراكًا منها أن التهديد الحقيقي للسلام مصدره الدول المتطرفة الداعمة الإرهاب.
هناك عناصر معتدلة في السلطة الفلسطينية, يمكنها أن تكون شريكة سلام لإسرائيل. وتعتقد هذه العناصر المعتدلة أنه يجب على الدولة الفلسطينية المستقبلية أن تتأسس على الديمقراطية والتفاهم. ولا يسري ذلك على العناصر المتطرفة, والتي لا تهدف إلا إلى حرمان الغير من حقوقهم.
بينما تستمر إسرائيل في الدفاع عن سكانها من الإرهاب الحمساوي, يجب على العناصر الفلسطينية المعتدلة أن تتصدى لحماس.
هل من الممكن أن تكون حكومة موحدة لحماس وفتح شريكة للسلام؟
عندما تولت حركة حماس السلطة لأول مرة أيدت تصريحات زعمائها استخدام العنف وعارضت حل قيام الدولتين, كما أنها رفضت حق إسرائيل في الوجود وذلك, بالإضافة إلى ضلوع عناصر حماس بالإرهاب. كل هذا قد دفع الرباعية الدولية (المركبة من الولايات المتحدة, والاتحاد الأوروبي, وروسيا, والأمم المتحدة) إلى وضع ثلاثة شروط لأي حكومة فلسطينية كانت للحصول على شرعية دولية وعلى تعاون دول العالم. أما هذه الشروط الأساسية فهي: الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود, والتخلي عن استخدام الإرهاب والعنف, وقبول الاتفاقيات والالتزامات السابقة, بما فيها خطة خارطة الطريق .
وقد طالبت دول العالم بأن تلتزم أية حكومة فلسطينية بتطبيق هذه الشروط الثلاثة "ولا يمكن أن ينتمي إليها أي عضو" لا يلتزم بها. فلذلك, ليس من الممكن أن تكون حكومة موحدة ستشمل متطرفين من حماس شريكة للسلام.
ولا تعتبر الشروط التي وضعتها الرباعية الدولية, والتي لا تزال حماس ترفضها, عقبة في طريق السلام, بل تعتبر اختبارًا تطبيقيًا تختبر دول العالم من خلاله أي حكومة فلسطينية كانت لتحدد إذا كانت ملائمة لتكون طرفًا في مفاوضات السلام.
إذا حصلت أية حكومة ترفض الاستجابة لهذه الشروط الأساسية على الشرعية الدولية والدعم الدولي, فذلك يعتبر ضربة موت لاحتمالات التوصل إلى السلام, وخيانة المعتدلين الحقيقيين من طرفي النزاع, الذين يؤمنون حقًا بإمكان حل النزاع بطريقة قيام الدولتين ويبحثون عن الطرق لتحقيق هذا الحل.
لن يتسنى تحقيق هدف أي مسيرة سلمية كانت, أي "قيام دولتين ستعيشان جنبًا إلى جنب بسلام وأمان وطمأنينة", إذا استمر أحد الطرفين باستخدام الإرهاب. ولهذا السبب تكرر الرباعية الدولية إصرارها على أنه يجب على أية حكومة فلسطينية التخلي عن استخدام الإرهاب والعنف.
ماذا يجب أن يكون دور الدول العربية؟
ترغب إسرائيل في التوصل إلى سلام مع الدول العربية جميعها, وفي طبيعة الحال, تفرق بين الدول العربية المعتدلة, التي قد تؤسس علاقات سلمية مع إسرائيل وبين الدول المتطرفة التي لا مصلحة لها بالسلام.
هناك إمكانية لمساهمة الدول العربية المعتدلة مساهمة هامة وإيجابية في مسيرة السلام وكذلك يمكنها أن تعمل على تغيير وجه المنطقة ليصبح أحسن مما هو عليه.
وبالإضافة إلى ذلك يجب استبدال سياسة المواجهة بسياسة الحوار. ومع تقدم المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين تصبح الحاجة إلى هذا التغيير أكثر إلحاحًا.
بينما لا نوهم أنفسنا أن الدول العربية ستتفق مع إسرائيل على كل نقطة معينة من مواضيع النزاع, فعليها أن تتفق على أن حل هذه المواضيع يلزم التنازلات من كلا الجانبين. لا يمكن لإسرائيل أن تقبل الإنذارات أو الاقتراحات بأسلوب "اقبل أو لا تقبل". لا تقبل إسرائيل إنذارات تحدد أنه لن يكون بالامكان التوصل إلى السلام إلا إذا استجابت إسرائيل لكل المطالب والشروط العربية. لا يمكن تجاهل الحقوق والمصالح الإسرائيلية على الإطلاق وكذلك لا يمكن إهمال الحاجة لتقديم التنازلات لغرض حل القضايا العالقة.
ومن جهة أخرى, يجب أن تتوقف الدول المتطرفة في الشرق الأوسط عن دعم الأعمال الإرهابية. وعليها أن تتوقف عن التحريض والدعاية اللاسامية ضد إسرائيل مما يسبب في المزيد من الكراهية ويكون أرضًا خصبة للأعمال الإرهابية.
إن التنظيمات الإرهابية الفلسطينية ومنظمات إرهابية أخرى في الشرق الأوسط تحصل على الدعم, بما في ذلك الدعم المالي والدعم بالأسلحة, من الدول العربية المتطرفة. وتدعم بعض الدول العربية, وبضمنها سوريا وإيران, المنظمات الإرهابية الأكثر عنفًا وخطورةً, مثل حزبالله. وتستضيف سوريا المقرات وقواعد التدريب لبعض المنظمات الإرهابية الفلسطينية مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي. ويجب أن يتوقف هذا الدعم بحيث يصبح من الممكن وضع حد للإرهاب. وعندئذٍ فقط تتاح فرصة النجاح للجهود المبذولة من أجل إحلال السلام.
في السنوات الأخيرة ازدهرت في الدول العربية الأشكال الأكثر تطرفًا من التحريض ضد إسرائيل, مما يذكرنا بالفترات المبكرة من النزاع العربي – الإسرائيلي. وكانت تنتشر الدعاية اللاسامية في المساجد وفي المدارس, وفي وسائل الإعلام, وفي المؤسسات الأكاديمية. فإن هذه المواد العنصرية التي تشبه المواد التي تم استعمالها في فترات ماضية من التأريخ ضد الشعب اليهودي, مثل افتراءات الدم و"بروتوكولات حكماء صهيون" تولد المزيد من الكراهية وتشكل مرتعًا لنمو الإرهاب.
ولا يجوز إساءة استعمال المنتديات الدولية مثل الأمم المتحدة, علمًا بأن الدول العربية تقوم باستغلالها, سنة بعد أخرى, لممارسة الضغط لغرض اتخاذ قرارات أحادية الجانب ومعادية لإسرائيل, بدلاً من أن تنظر إلى الأمور برؤية جديدة وبناءة لغرض جسر الفجوات.
لقد أظهر الرئيس المصري أنور السادات والملك الأردني الحسين زعامة حقيقية عندما أبرما السلام مع إسرائيل. ويمكن للدول المعتدلة في الشرق الأوسط أن تساهم في قيادة عجلة السلام من خلال إقامة علاقات التعاون مع إسرائيل.
هل يوجد لإسرائيل شركاء للسلام في الدول العربية؟
تشكل منطقة الشرق الأوسط ساحة كفاح بين العناصر المتطرفة والعناصر الأكثر اعتدالاً. ويؤثر استمرار ظهور فرق متطرفة بشكل سلبي على مسيرة السلام مع أن هناك بعض التأثيرات الإيجابية.
من جهة, يشكل المتطرفون (الذين كثيرًا ما يمثلون وجهات نظر دينية) سببًا رئيسيًا لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط كله, ويؤثرون على النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني خاصة. أما إيران التي تدعم منظمات إرهابية, لا تشكل تهديدًا لإسرائيل فحسب, بل للسلام العالمي بأسره. وتستمر تنظيمات إرهابية مثل حركة حماس, وحزبالله, والجهاد الإسلامي في سلوك مسلك العنف رافضةً جميع الجهود المبذولة لحل النزاع.
ومن جهة أخرى, حدا خطر التطرف الآخذ بالتشدد, بالمزيد من الدول الشرق أوسطية المعتدلة إلى الاعتراف بالتهديد الذي يوجهه المتطرفون, وخاصة إيران. وقد أدى ذلك إلى خلق شراكة كانت تعتبر مستحيلة قبل سنوات قليلة فقط, وإلى استئناف المسيرة السلمية بين إسرائيل ومعظم الدول الشرق أوسطية.
إن إسرائيل جاهزة وقادرة على العمل من أجل السلام بالتعاون مع العناصر المعتدلة في الشرق الأوسط أملاً في أن نستطيع معًا وضع المتطرفين تحت المراقبة ونعيد المسيرة السياسية إلى مسارها السليم.
كيف يمس التحريض بالسلام؟
هناك علاقة مباشرة بين التحريض المعادي لإسرائيل والدعاية اللاسامية والإرهاب. فإن الدعاية المتطرفة المعادية لإسرائيل والواسعة الانتشار ضمن المجتمع الفلسطيني تنمي ثقافة الكراهية التي هي بدورها تؤدي إلى الإرهاب.
وقد تمت تعبئة جهاز التعليم الفلسطيني وكذلك وسائل الإعلام الفلسطينية, والأدب, والأغاني, والمسرح, والسينما لتعمل على دعاية متطرفة معادية لإسرائيل, تصبح أحيانًا دعاية لاسامية سافرة. فإن هذا التحريض على الكراهية واستخدام العنف منتشر انتشارًا واسعًا ضمن المجتمع الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة الذي تسيطر حركة حماس عليه. ويمكن إيجاده في رياض الأطفال, والمدارس الابتدائية, وحركات الشبيبة, والمدارس, والجامعات, وخطب المساجد, والمظاهرات في الشوارع. فإن التحريض يخلق ثقافة من الكراهية والعنف, تكون أرضًا خصبة للإرهاب والقتل.
إن لتحريض ضد إسرائيل وجوهًا كثيرة. وهو يبدأ بإنكار حقيقة وجود دولة إسرائيل إنكارًا مطلقًا. فإن الخرائط المستعملة في المدارس والجامعات لا تحمل حتى اسم إسرائيل, وكذلك لا تشمل العدد الكثير من بلداتها ومدنها. وأكثر من ذلك, يمجد المحرضون أسماء الإرهابيين المنتحرين, ويسمون فرق كرة القدم على اسمهم, ويعرضون الإرهابيين كمثال أعلى جدير بالتقليد. ويشمل التحريض الكاريكاتيرات اللاسامية التي تستعمل نفس المواضيع والصور التي قد تم استعمالها ضد اليهود في الفترة النازية. فإن هذه الظاهرة تبشر بالسوء بالنسبة للجيل الناشئ, وتربيهم على عبادة شعارات الموت والدمار. وسيكون الأطفال الذين تربوا منذ نعومة أظفارهم على القتل والتدمير مثل الأطفال في قطاع غزة الخاضع لسيطرة حركة حماس, مأساة شعبهم وخطرًا كامنًا لغيرهم.
ويجب طرح السؤال: أي نوع من المستقبل تعرض صناعة التحريض على الجيل الناشئ, الذي ينشأ وهو يتعلم الكراهية؟ هل سيتمكن الجيل الناشئ من التفكير بالمفاهيم السلمية, بحسن الجوار, بالتسامح والمصالحة؟ هل سيستطيع المجتمع الفلسطيني التفكير بشكل غير ما تعوّد عليه, مما هو ضروري من أجل السلام, وهو أكثر بكثير من مجرد التوقيع على معاهدة سلام؟
إن المحاولات الكثيرة لوضع الحد للنزاع العربي – الإسرائيلي معروفة, وليس عن طريق الصدفة, ب"مسيرة السلام". فإن الانتقال من وضع الحرب إلى وضع السلام ليس نتيجة عمل دبلوماسي أحادي المرة يتمثل بالتوقيع على اتفاقية, بل هو عبارة عن عملية تتطلب بذل الجهود المشتركة لتغيير الأوضاع, والقيم, وصورة من كان العدو في الماضي. وتتطلب هذه العملية الانتقال إلى نموذج جديد وخلق طريقة جديدة من التفكير.
ولا يمكن تجاهل كثافة المشاعر عند كلا طرفي النزاع في الشرق الأوسط. وتسود الطرف الإسرائيلي أيضًا مشاعر من الغضب العميق والإحباط. ولكن هناك اختلافًا هائلًا بين مشاعر الغضب والإحباط من جهة, ونشر ثقافة الكراهية, من جهة أخرى.
إن المجتمع الإسرائيلي, وليس كجزء كبير من المجتمع الفلسطيني, يعتبر السلام أكثر هدف نبلاً, وهو أعلى طموح على الصعيد الفردي وعلى الصعيد الوطني على حد سواء. إن الرغبة في السلام, من أجل العيش الهادئ والحياة اليومية الهادئة, تعتبر لب الكيان الإسرائيلي والثقافة الإسرائيلية. لقد كتبت في إسرائيل الآلاف من الأغاني, والكتب, والمقالات, والأعمال الفنية عن السلام, منذ الأيام الأولى لقيام الدولة, ولا يسع المكان لذكرها. ويعتبر السلام قيمة أساسية مهمة, أكبر حلم لكل أم وأب إسرائيلي, وتحقيق الحلم الصهيوني الذي يتصور إسرائيل وهي تعيش بالسلام والتعاون مع جميع الدول المجاورة لها.
ولا يوجد أي سبب شرعي لأن يتعلم الأولاد الإسرائيليون في مدارسهم عن السلام والتعايش بينما يتعلم الأولاد الفلسطينيون, وفي الوقت ذاته, عن احترام الإرهابي المنتحر والجهاد. ويجب على الذين يريدون السلام أن يربون على السلام وألا ينشروا الكراهية والقتل.
إن البلاغة الفلسطينية العنيفة المعادية لإسرائيل تؤثر سلبيًا على الجهود المبذولة للتوصل إلى السلام في المنطقة كلها. إن التغطية الإعلامية المكثفة للأحداث على الساحة الفلسطينية والتحريض الصادر عن الناطقين بلسان الفلسطينيين قد أشعلت مشاعر معادية لإسرائيل في الدول العربية, وتمكنت حتى من التأثير على العديد من الدول العربية المؤيدة للسلام لتقوم بتقليص علاقاتها مع إسرائيل. ويؤدي التحريض الفلسطيني إلى العنف في المدى القريب بينما يقلل من فرص التوصل إلى السلام والمصالحة بين إسرائيل والدول المجاورة لها.
لماذا تكون إسرائيل دولة يهودية؟
إن دولة إسرائيل هي, أولاً وأخيرًا, دولة يهودية, في ضوء حق الشعب اليهودي لدولة مستقلة واحدة تابعة له, وفي ضوء العلاقة التأريخية المذكورة في التوراة بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل. ولا توجد أي أرض أخرى يمكن للشعب اليهودي أن يطلب أن تكون دولة مستقلة خاصة به. لا توجد أي دولة أخرى يمكن للشعب اليهودي أن يعيش فيها حياة كاملة بموجب عاداته, وعقائده, ولغته, وثقافته, وأهدافه, وخططه للمستقبل.
وخلال 2000 سنة اشتاق الشعب اليهودي إلى هذه الأرض وانتظر اليوم الذي سيستطيع إقامة بيت وطني له فيها. ولم تتكون ظروف ملائمة لتحقيق هذا الحق إلا عند النهضة القومية اليهودية في عصرنا وكان ذلك في أواخر القرن ال-19. وقد أدت نهضة القومية اليهودية إلى تأسيس الحركة الصهيونية. وقد حصلت هذه الحركة على أول اعتراف هام في وعد بالفور عام 1917 التي حدد أن "الحكومة البريطانية تؤيد تأسيس بيت وطني للشعب اليهودي في فلسطين". وقد أقرت عصبة الأمم, المنظمة التي سبقت الأمم المتحدة, رسميًا, هذا الاعتراف, عام 1922.
في 29 تشرين الثاني – ديسمبر 1947 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا رقمه 181 بانتهاء الانتداب البريطاني في فلسطين وإقامة دولة يهودية ودولة عربية في هذه الأرض.
وقد قامت إسرائيل لتكون موطنًا يحتاج إليه الشعب اليهودي, الذي عانى, على مر السنين, من الاضطهادات في بلدان غير بلاده, حاجة ملحة. وتعلن وثيقة الاستقلال لدولة إسرائيل بشكل واضح ما يلي: " تكون دولة إسرائيل مفتوحة الأبواب للهجرة اليهودية ولجمع الشتات".
وطبقًا لوثيقة الاستقلال قامت دولة إسرائيل كدولة ديمقراطية تتأسس على مبادئ فصل السلطات, والحرية, والمساواة التامة أمام القانون لجميع مواطنيها بغض النظر عن دينهم, وعرقهم, وجنسهم, ووطنيتهم. ويتم تطبيق هذه المبادئ حاليًا.
ولأن إسرائيل تعرف نفسها كدولة ديمقراطية فإنها تضمن حقوق جميع مواطنيها غير اليهود. تعيش في دولة إسرائيل أقلية عربية كبيرة, تشكل 20% تقريبًا من سكانها. ويتمتع السكان العرب في إسرائيل بالحقوق المدنية والسياسية الكاملة, بما فيها حرية التعبير, والدين, والعبادة. إنهم يشتركون في الانتخابات في إسرائيل ويُنتخب نواب عرب للبرلمان الإسرائيلي. ويشغل عرب إسرائيليون مناصب قضاة, ورؤساء بلديات, وموظفين في الخدمة المدنية. ويشغل, حاليًا, عربي إسرائيلي منصب وزير في الحكومة الإسرائيلية ويشغل عربي إسرائيلي آخر منصب نائب وزير في وزارة الخارجية. وبالإضافة إلى اللغة العبرية تعتبر اللغة العربية لغة رسمية في الدولة. وبالرغم من وجود مشاكل تتعلق بالاندماج الكامل للأقلية العربية, وخاصة في المجال الاقتصادي, فإن مشاكل مثل هذه توجد في الكثير من الديمقراطيات الغربية التي توجد فيها أقليات كبيرة.
هل يكون للفلسطينيين مبرر شرعي لما يسمى ب"حق العودة"؟
في نفس الوقت الذي يدعو الفلسطينيون فيه إلى إقامة دولة خاصة بهم, هم يطالبون أيضًا تطبيق "حق العودة" إلى الأراضي داخل إسرائيل في حدودها ما قبل خطوط 1967. على كل حال لا يوجد مطلب مثل هذا في القوانين الدولية العامة, وفي قرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة أو في الاتفاقيات بين إسرائيل والدول العربية المجاورة لها.
وطبقًا للظروف السكانية الجغرافية فإن تدفق العدد الكبير من اللاجئين إلى داخل إسرائيل لا يعتبر, بالتأكيد, عمليًا. مع الأخذ بعين الاعتبار أن عدد سكان إسرائيل يبلغ حاليًا 7 ملايين تقريبًا (علمًا بأن 20% من السكان هم عرب إسرائيليون), فإن تدفق الملايين من الفلسطينيين إلى دولة إسرائيل سيهدد قيام إسرائيل كدولة يهودية, ويحرمها من هويتها الأساسية كموطن للشعب اليهودي وملجأ لليهود المضطهدين. لذلك, فإن مطالبة الفلسطينيين بالعيش في إسرائيل ليست إلا عبارة أخرى للدمار السكاني للدولة اليهودية.
وأخيرًا, إن المطلب الفلسطيني بالسماح بالهجرة غير المحدودة إلى إسرائيل هو بمثابة ذريعة سياسية اختلقها الذين لا يريدون وجود إسرائيل. ومن المراوغة أن الفلسطينيين الذين يطالبون بدولة خاصة بهم يدعون, في الوقت نفسه, إلى منحهم حق الهجرة الحرة إلى دولة أخرى, إلى إسرائيل. وعندما تستمر القيادة الفلسطينية في مطالبة تطبيق هذا "الحق", الذي يحرم إسرائيل فعلاً من هويتها الأساسية, فهي تقوض فرص السلام. يجب أن تكون نتيجة أي مسيرة سلمية دولتين للشعبين, كما تصورت هيئة الأمم المتحدة عام 1947, في قرار التقسيم.
ولا تزال قضية اللاجئين الفلسطينيين دون حل منذ 60 سنة تقريبًا, وسببت المعاناة وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. على كل حال, بالإضافة إلى الأبعاد الاجتماعية والإنسانية الحالية لهذه القضية, فمن المهم دراسة أسباب تكوّن هذه القضية وأسباب استمرارها على امتداد ستة عقود.
وكان السبب المباشر لتكوّن قضية اللاجئين رفض العرب لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 من عام 1947, الذي نص بتقسيم أراضي الانتداب البريطاني إلى دولة عربية ودولة يهودية, والحرب التي شنتها الدول العربية في أعقاب هذا القرار والتي كانت تهدف إلى تدمير إسرائيل. وقد ترك الكثير من العرب الفلسطينيين الذين سكنوا في المناطق التي دارت الحرب فيها بيوتهم, إن كان ذلك استجابة لدعوة الزعماء العرب, أو خوفًا من القتال وانعدام اليقين في العيش تحت الحكم اليهودي. ولم تتكون قضية اللاجئين لو لم تفرض الدول العربية والقيادة الفلسطينية المحلية هذه الحرب على إسرائيل.
لا تتحمل إسرائيل تخليد قضية اللاجئين الفلسطينيين. ولا يمكنها أن تعلن, حتى كبادرة حسن نية, عن تحملها مسؤولية هذه القضية.
وللأسف الشديد, في هذه الفترة هرب عدد هائل من اللاجئين من ديارهم بسبب الحروب والنزاعات في مناطق كثيرة من العالم. فتمت إعادة إسكان جميع هؤلاء اللاجئين تقريبًا وإعادة تأهيل حياتهم. وقد بقي الفلسطينيون المستثنى الوحيد, وتم الاحتفاظ بهم كلاجئين عمدًا.
ويكون مصير اللاجئين الفلسطينيين متناقضًا غاية التناقض عن مصير الكثير من اليهود الذين أجبروا على الهروب من الدول العربية عند إقامة دولة إسرائيل, تاركين وراءهم الكثير من الأموال والممتلكات. وبالرغم من الصعوبات, قد تم استيعاب مئات الآلاف من اللاجئين اليهود كمواطنين في دولة إسرائيل.
وعملت الدول العربية, باستثناء الأردن, على تخليد قضية اللاجئين ليمكن استغلالهم كسلاح في الكفاح ضد إسرائيل. ويستمر اللاجئون العيش في المخيمات المزدحمة بحالة من الفقر واليأس. وتمت عدة محاولات لدمجهم في الدول العربية العديدة في المنطقة. ويبقى هؤلاء اللاجئون وأولادهم, وأحفادهم, وأبناء أحفادهم في بعض الدول العربية دون حقوق سياسية, واقتصادية أو اجتماعية. وتم تطبيق هذه السياسة للحصول على التعاطف الدولي للقضية الفلسطينية على حساب الفلسطينيين أنفسهم.
وقد لعبت دول العالم أيضًا دورًا في تخليد قضية اللاجئين الفلسطينيين. إذ أنها امتنعت عن بذل الجهود لإعادة إسكان اللاجئين, كمعيار دولي. ويكون المندوب السامي للأمم المتحدة للاجئين مسؤولاً عن إيجاد مساكن دائمة للاجئين في جميع أنحاء العالم, وهو لا يقوم بذلك بالنسبة للفلسطينيين. وبدلاً من ذلك, لقد تأسست وكالة خاصة لمراعاة شؤون اللاجئين الفلسطينيين. وهذه المنظمة, وهي وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا), تعمل على تقديم المساعدة للفلسطينيين في مخيمات اللاجئين.
وقد استسلمت دول العالم للضغوط السياسية التي مارستها الدول العربية, وبصورة استثنائية منحت الفلسطينيين مكانة لاجئين وهذا بالتناقض مع التعريف المتفق عليه دوليًا لمكانة اللاجئ بموجب ميثاق الأمم المتحدة من عام 1951 والبروتوكول من عام 1967 الذي لم يذكرا الذراري. وبموجب هذا الاستثناء – الذي لم يُمنح قط لأي مجموعة سكانية أخرى - يُعترف بجميع أجيال الذراري من أصل اللاجئين الفلسطينيين كلاجئين. ومعنى ذلك أن معظم اللاجئين الفلسطينيين الذين يطالبون بالهجرة إلى إسرائيل لم يعيشوا قط فعلاً في حدود إسرائيل. وعلاوة على ذلك, يشمل التعريف الاستثنائي للاجئ في الحالة الفلسطينية العرب الذين قد عاشوا في المنطقة التي أصبحت بعد ذلك دولة إسرائيل سنتين فقط قبل مغادرتهم لها. وقد أدت هذه الاستثناءات, على مر السنين, إلى تضخم عدد اللاجئين الفلسطينيين, من مئات الآلاف إلى الملايين.
ويؤكد الفلسطينيون, بشكل خاطئ, أن مطلبهم يعتمد على قرارات الأمم المتحدة, وخاصة المادة 11 من قرار الجمعية العامة 194 (من كانون الأول – ديسمبر 1948). ومع ذلك, إن الجمعية العامة ليست هيئة تشريعية, ولا تفرض قرارات الجمعية العامة حول الشؤون السياسية أية التزامات قانونية ملزمة.
وعندما نعلق على قرار الجمعية العامة 194, هناك بعض النقاط الإضافية ذات العلاقة بالموضوع:
إن الدول العربية رفضت قرار 194, فلذلك لا يمكنها أن تعتمد على هذا القرار المرفوض لتبرير مطالبهم.
وكان هذا القرار بمثابة محاولة من الأمم المتحدة في عام 1948, لجلب الأطراف إلى مائدة المفاوضات. وقد شمل القرار عدة توصيات فيما يتعلق بنقاط الرئيسية المختلف عليها (القدس, الحدود, اللاجئين), وهدف إلى التوصل إلى "تسوية نهائية لجميع المشاكل العالقة" بين أطراف النزاع. وتم ذكر قضية اللاجئين في مادة واحدة فقط من قرار 194 (وهي المادة 11). ولا تشمل هذه المادة أي إشارة إلى أي حقوق, ولكنها توصي بالسماح للاجئين بالعودة. وليس من المعقول مطالبة تطبيق جملة واحدة من القرار على انفراد من بقية القرار.
وبالإضافة إلى ذلك يفرض هذا القرار شروطًا تمهيدية معينة وقيودًا على العودة, وفي مقدمتها أنه يجب على اللاجئين أن يرغبوا بالتعايش السلمي مع جيرانهم. ولكن تأييد السكان الفلسطينيين للموجة الإرهابية التي قد بدأت في أيلول – سبتمبر 2000, وكذلك شهدنا هذا التأييد مرات أخرى في الماضي, قد حال حتى الآن دون توفر هذه الإمكانية.
ويستعمل هذا القرار المصطلح العام "لاجئين" وليس "لاجئين عرب". فلذلك يشير القرار إلى جميع اللاجئين, من اليهود ومن العرب. ومن الجدير بالذكر أن إثر إقامة دولة إسرائيل عام 1948, قد أُجبر عدد مساوٍ, على الأقل, من السكان اليهود في الدول العربية ومن السكان العرب في إسرائيل على أن يصبحوا لاجئين.
ويحدد هذا القرار أن تعويض اللاجئين الذين اختاروا عدم العودة إلى ديارهم أو الذين تضررت أو دُمرت أملاكهم, يقع على عواتق "الحكومات أو السلطات المسؤولة". ولا تذكر مطالب