في أحد أيام أواخر مارس/ آذار من العام الجاري، كان ستة أطفال – اثنان من أثيوبيا، وواحد من نيجيريا وثلاثة من غزة – يتماثلون للشفاء في وحدة رعاية مكثفة خاصة في المركز الطبي وولفسن الواقع في منطقة تل ابيب. وكان اثنان من هؤلاء المرضى رضيعين صغيرين لدرجة يصعب معها أن نتصور أين وجد الجراحون متسعا في أجسادهم لإجراء عملية قلب بالغة الدقة والتعقيد.
هؤلاء الأطفال هم آخر المنتفعين من خدمات منظمة "انقاذ قلب طفل"، وهو أوسع برنامج في العالم يوفر عمليات جراحية في القلب ملحة ومجانية للأطفال, كما يقدم رعاية متابعة لأطفال من العالم الثالث ومن الدول النامية. وتم حتى الآن إحضار أكثر من 1600 طفل من 26 بلدا مختلفا الى إسرائيل ليخضعوا لجراحة تنقذ الأرواح في إطار هذا البرنامج منذ تأسيسه عام 1992. كما يصل الى البلاد أسبوعيًا في إطار البرنامج المزيد من الأطفال للاستفادة من البرنامج.
عندما وافت المنية عام 2001 مؤسس البرنامج وكبير جراحي منظمة "انقاذ قلب طفل" د. عمرام (عامي) كوهين بصورة مفاجئة عن عمر يناهز 47 عاما، سادت لحظة احتار فيها زملاؤه الجراحون والعاملون معه كيف كانوا سيواصلون ما بدأه.
وكانت فكرة البرنامج قد خطرت وترعرعت في ذهن كوهين الأمريكي المولد، الذي لقي مصرعه أثناء تسلقه لجبل كليمنجارو في أفريقيا.
"عندما مات عامي كنا على مفترق طرق... اذ كان الشخص الذي قام بكل شيء، كالسفر الى الخارج واحضار الأطفال, وقد كان لديه الحل لكل شيء"، يستذكر كبير أطباء جراحة القلب لدى الأطفال, الدكتور عكيفا تامير, وهو صديق كوهن وزميله. "لكننا أدركنا أن الأمر أكبر من مجرد طبيب قلب او جراح؛ وان هذه هي رسالة ورؤيا. فالطفل في إسرائيل يستطيع الذهاب الى أي مكان لتلقي العلاج، اما هؤلاء الأطفال فلا يجدون مكانا آخر يذهبون اليه؛ واذا لم نعالجهم فسوف يموتون. وهذا هو جوهر الطب حقا."
في مارس/آذار 2007 سافر فريق "انقاذ قلب طفل"الطبي الى أثيوبيا ورواندا في مهمة طبية استمرت خمسة أيام لمعاينة وفحص أطفال يعانون من أمراض القلب وللمبادرة الى مشروع جديد في رواندا. وكان من بين المرضى الذين فحصهم د. تامير، 30 أثيوبيا استبدلت لديهم صمامات القلوب في مستشفى وولفسن الإسرائيلي خلال عامي 1998 و 1999.
"نقول صراحةً، إننا كنا قلقين قليلا لأن المريض، بعض استبدال الصمام، يحتاج الى متابعة ومراقبة والى اعطائه كومادين (مادة تمنع تخثر الدم)، ونحن نعلم بأن هذه تشكل في الغالب مشكلة في اثيوبيا، حتى مع مساعدتنا في الحصول على العقار"، كما صرح بذلك تامير لموقع اسرائيل 21c. "ولهذا فوجئت بتحسن أحوال معظم المرضى، وكان ذلك يسرني كثيرا." وازددت غبطة من حقيقة ان احد هؤلاء المرضى الاوائل يدرس الطب الان ويعمل آخر كعامل صحي في القرى، اما الثالث فيدرس الحاسوب.
وبينما يسافر طاقم “انقاذ قلب طفل” غالبا الى خارج البلاد للتعليم ولإجراء عمليات جراحية بالتعاون مع الموظفين المحليين، فإن جزءا هاما من برنامج المنظمة الممتد يتمثل بإحضار أطباء وممرضين إلى إسرائيل لتلقي تدريب مكثف في جميع مجالات طب قلب الأطفال.
تهدف منظمة “انقاذ قلب طفل” الى خلق مراكز كفاءة في الدول النامية، يستطيع فيها العاملون المحليون اداء المهمة بأنفسهم؛ وتقوم هذه التجربة على اساس نموذج مرت فيه مهنة الطب الاسرائيلية ذاتها... فحتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، كان الاطفال الاسرائيليون يضطرون الى السفر الى خارج البلاد من اجل إجراء عمليات قلب, لأنه لم تتوفر لدى إسرائيل آنذاك البنية التحتية اللازمة لذلك.
"فماذا فعلنا نحن في إسرائيل؟" يتساءل سيمون فيشر، المدير العام لـ “انقاذ قلب طفل”.
"تتلخص الطريقة الاسرائيلية في عمل الأشياء حسب عبارة "اذهب وتعلم" – اكتسب المعرفة وعد بها الى بلدك. وهذا ما فعلناه هنا، وهذا ما نريد أن نساعد الآخرين على فعله".
تلقى عاملون طبيون من كل من الصين, أثيوبيا, مولدافيا، نيجيريا, فيتنام والسلطة الفلسطينية تدريبا متقدما يشمل مجالات التخدير والعناية المكثفة في المركز الطبي الإسرائيلي وولفسن .
"هؤلاء الأطباء هم سفراء نوايا حسنة بالنسبة لإسرائيل،" صرح تامير لإسرائيل 21c. "وهذا في رأيي أكثر أهمية حتى من الجزء الطبي".
شريك “انقاذ قلب طفل” في أثيوبيا هو الصندوق الأثيوبي لقلب الأطفال, الذي أسسه ويديره اختصاصي قلب الأطفال الدكتور بلاي أبيغاز، الذي التقى عمرام كوهين في الولايات المتحدة في ثمانينات القرن الماضي.
وقد وعده كوهين بانه عندما يتمكن من إنشاء البرنامج في إسرائيل، فسوف يبدأ باحضار أطفال أثيوبيين لإجراء عمليات جراحية لهم. ووعد كذلك بمساعدتهم على إنشاء مرافق خاصة بهم. وقد بلغ صندوق قلب الأطفال في أثيوبيا الآن المراحل النهائية من انشاء مركز لعلاج القلب في أديس أبابا.
"نأمل في أن نتمكن مع حلول السنة القادمة, من إرسال الأشخاص الى أثيوبيا للعمل مع الأطباء المحليين على إجراء عمليات قلب مفتوح"، يقول فيشر. " كان حلم عامي أن تتمكن الطواقم الطبية المحلية من تقديم العلاج اللازم في بيئتهم الخاصة. لكن في غضون ذلك نريد أن نعالج أكبر عدد ممكن من الأطفال هنا، لأن هؤلاء الأطفال لا يستطيعون الانتظار حتى تشييد المركز".
أجرت فرق طبية تابعة لـ “انقاذ قلب طفل” عمليات جراحية في إسرائيل وأثيوبيا لأكثر من 300 طفل أثيوبي حتى يومنا هذا، وقد كانت الرحلة في شهر مارس/آذار هي رحلة “انقاذ قلب طفل” العاشرة في إطار مهمتها في أثيوبيا. وقد رافق الفريق هذه المرة الموسيقار الإسرائيلي الشعبي عيدان رايحيل، الذي أدخل الموسيقى الأثيوبية الى أغانيه. وذلك بعد أن أصبح رايحيل، بجدائله الطويلة المشهورة، سفير نوايا حسنة لدى المنظمة.
وقد أصبحت طفلة عمرها 5 سنوات تسمى استوب، وهي واحدة من الأطفال الذين وقع عليهم الاختيار لإحضارهم الى إسرائيل لاجراء عملية جراحية في القلب، نجمة صغيرة في فيلم وثائقي للتلفاز صوره طاقم إسرائيلي من القناة العاشرة قام بمرافقة الفريق.
لقد قام الطاقم بمواكبة استوب من أديس أبابا الى منزل “انقاذ قلب طفل” في ازور، قرب حولون، ومن ثم الى المستشفى حيث زودت ببيجاما ملونة، لتنقل أخيرا الى غرفة العمليات حيث كان بانتظارها فريق طبي من 10 أشخاص. وكانت النهاية، بطبيعة الحال، نهاية سعيدة.
ومن أثيوبيا سافر الفريق الإسرائيلي الى رواندا، في أول مهمة تقوم بها منظمة “انقاذ قلب طفل” هناك. وقد جاءت الرحلة بناء على طلب طبيب أمراض القلب الدكتور جوزيف مكومبتسي، رئيس مستشفى الملك فيصل في كيغالي. لقد اكتسب مكومبتسي خبرته في بروكسل حيث أقام 18 سنة. وقبل عامين قرر العودة الى رواندا ليساعد في إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية الطبية في رواندا.
في كيغالي أجرى تامير ومكومبتسي فحصا سريريا مشتركا لثلاثة عشر طفلا روانديا يعانون أمراضًا في القلب. "لقد قرر مكومبتسي انه يريد العودة الى بلاده ليقدم المساعدة"، ينوه تامير. "وهكذا، كما ترى, فإن لديهم "صهيونيتهم" الخاصة بهم ايضا, مثلما لديهم إبادة جماعية ايضا". ووقع الاختيار على خمسة أطفال روانديين سيتم إحضارهم الى إسرائيل ليخضعوا لعمليات جراحية في المستقبل القريب.
ومن بين أبعد الرحلات الطبية التي قام بها أفراد منظمة“انقاذ قلب طفل”، سبع رحلات الى الصين، وكان آخر هذه الرحلات، الرحلة التي تمت في أكتوبر/تشرين أول الماضي, حيث سافر طاقم مؤلف من 18 خبيرا طبيا إسرائيليا بقيادة رئيس قسم جراحة الأوعية الدموية القلبية في مستشفى وولفسن، الدكتور ليئور ساسون، الى مستشفى الأطفال بمقاطعة هيبي في شيجازونغ. وقد أجريت عمليات قلب مفتوح لأكثر من 110 من الأطفال الذين يعانون من خلل في القلب, كما خضع آخرون لإجراءات طبية أخرى أثناء هذه الرحلة.
وكانت أكثر حالات القلب شهرة والتي عالجتها منظمة "انقاذ قلب طفل" العام الماضي، هي تلك الحالات لأطفال صغار من العراق، أحضروا الى إسرائيل في رحلة لوجستية محكمة عبر الأردن.
جاء أول مريض عراقي في أواخر عام 2005 عندما لفتت انتباه وسائل الإعلام العالمية قصة جراحين إسرائيليين يهبون لمساعدة فتاة عراقية حديثة الولادة تعاني من خلل في القلب. ومن خلال الاتصال عبر هواتف قمر صناعي تابع للجيش الأمريكي, قرر أطباء عراقيون وجراحو “انقاذ قلب طفل”، احضار الرضيعة الى إسرائيل عن طريق الأردن لإجراء عملية جراحية معقدة لها.
قام تامير بإرشاد أحد الأطباء في بغداد عبر الهاتف, حول كيفية إجراء عملية صغيرة للفتاة لكي تستقر حالتها، وذلك أثناء تجهيز أذونات السفر للبنت ولعائلتها. وبمساعدة منظمة "شيفت أحيم" المسيحية، التي تأسست عام 1994 لمساعدة أطفال غير إسرائيليين على تلقي رعاية طبية تنقذ أرواحهم في إسرائيل، تم نقل الطفلة ووالديها الى عمان جوا، ومن ثم سافروا برا بالسيارة الى إسرائيل، حيث كان في استقبالهم أطباء إسرائيليون عند مدخل غرفة الطوارئ في مستشفى وولفسن مع لافتة تحمل عبارة "السلام عليكم" و "أهلا وسهلا" باللغة العربية.
وقد تساءل المعلقون حينها عما اذا كانت عملية إنقاذ حياة هذه الطفلة ستكون بمثابة مؤشر على استعداد الحكومة العراقية مستقبلا تطبيع العلاقات مع إسرائيل. لكن وعلى الرغم من التغطية الإعلامية المكثفة التي رافقت هذه الدراما، كانت أول حالة من العراق مخيبة للامال؛ اذ رغم أن العملية الجراحية قد تمت بصورة حسنة، فقد توفيت الطفلة بعد شهر جراء المضاعفات.
"منذ ذلك الحين حرصنا كل الحرص"، كما يقول المدير العام الدكتور فيشر "فإن مهم عند اقامة شراكة جديدة, أن تنجح أول عملية جراحية لأن نجاحها هو الذي يبني الثقة".
ومنذ ذلك التاريخ، اجريت عمليات قلب ناجحة في المستشفى الإسرائيلي لعشرين طفلًا من العراق، من الأكراد بشكل عام، وفي المتوسط يتواجد في إسرائيل ثلاثة او أربعة أطفال عراقيين في وقت واحد.
"إنها تجربة خاصة وفريدة من نوعها، اذ يصل الوالدان الى بلد يعتبرونه دولة معادية"، كما يقول فيشر.
ولما كان سفر الإسرائيليين الى العراق ينطوي على خطر جسيم، فإن فريق “انقاذ قلب طفل” يفحص المرضى في الأردن. وتقوم جمعية "شيفت أحيم" بدور حلقة الوصل لمنظمة “انقاذ قلب طفل” في العراق، فهي التي تعثر على مكان الأطفال وتقوم بترتيبات الرحلة الخطرة الى عمان, وإيواء العائلات في بيوت الضيافة بالكنائس, الى أن يتم فحصهم ومن ثم ترافقهم أخيرا الى إسرائيل.
وطبقا لما يقوله فيشر، فإن معظم الأطباء الأردنيين لا يبدون استعدادا للعمل مع الأطباء الإسرائيليين. لكن بمقدور أطباء القلب في “انقاذ قلب طفل” فحص الأطفال العراقيين في الأردن, وذلك بفضل رئيس مستشفى الهلال الأحمر في عمان, الدكتور محمد الحديد, وهو ايضا رئيس لجنة التوجيه التابعة للصليب الأحمر والهلال الأحمر في جنيف. وعلى الرغم من المعارضة القوية للتطبيع في الجمعية الطبية الأردنية (وفي غيرها من الجمعيات المهنية الأردنية كذلك) الا ان الدكتور الحديد يسهل قيام الإسرائيليين بعلاج الأطفال العراقيين.
"يصر الدكتور الحديد على القول, بانه يفعل ما يفعله من اجل الأطفال، ولا دخل للسياسة في هذا الأمر، وهذا ما يجعله مميزا للغاية ؛" كما يقول فيشر.
تبلغ تكاليف علاج كل مريض 10,000 دولار في المتوسط،, تشمل الإقامة في المستشفى والسفر. وتقدر تكاليف تدريب أطباء من خارج البلاد ب- 25,000 دولار. وبينما يقدم مستشفى وولفسن، وهو مستشفى حكومي، مرافقه لخدمة المشروع، فإن التمويل يأتي من مصادر خصوصية. اذ توجد منظمات صديقة في جميع انحاء العالم, كما ان المنظمة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمنظمتي روتاري وفراياتي.
منحت المفوضية الأوروبية مبلغ مليون يورو لـ“انقاذ قلب طفل” لعلاج أطفال فلسطينيين ولتدريب أطباء فلسطينيين، بموجب برنامج شراكة للسلام.
لا يقدم الاتحاد الأوروبي الدعم لبرامج طبية كما يقول مدير المنظمة فيشر، بل يفضل دعم مشاريع تولد السلام.
"بينت في طلبي الى الاتحاد الأوروبي، انه من خلال الفعاليات الطبية بإمكاننا أن نحمل المهنيين على العمل معا ، وكذلك بإمكاننا أن نجمع بين عائلات إسرائيلية وفلسطينية تتشاطر المخاوف والقلق على أطفالها.
هذا لن يغير المواقف والتوجهات بين عشية وضحاها، لكنه يظهر بأن الجانب الآخر إنساني، ويترك أثره على نظرة كل طرف الى الطرف الآخر"، كما يقول.
"انقاذ قلب طفل" – هو برنامج يعود بالمنفعة على الجميع – الأطفال الذين ينقذ البرنامج أرواحهم، الموظفون الطبيون من المكان الذي يأتي منه هؤلاء الأطفال والذين يتم تدريبهم، كما يعود بالنفع على المركز الطبي وولفسن .
ولما كانت هذه الخدمة تقدم في مرفق المجتمع المحلي، وليس في أحد المستشفيات الفخمة التي تقدم الخدمات للأثرياء، فإن ذلك يبعث الاعتزاز والفخر الحقيقيين في نفوس هيئة الموظفين بالمستشفى, وفي نفوس أهالي حولون وجنوب تل أبيب"