English
עברית
فارسی
التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الديموقراطية والتعدُّدية     حرية التعبير وحرية الصحافة في إسرائيل

حرّية التعبير وحرّية الصحافة

بقلم: روفيك روزنتال

إن المجتمع الإسرائيلي يدرك أنّ صحافة قوية ونشطة ضرورية لوجود ديموقراطية متينة وتشكّل قيمة من القيم الجديرة بالنضال من أجلها
ي. لويف

منذ انطلاق عملها في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر حرصت ثقافة الصحافة في إسرائيل على الالتزام بمرتكزات الإعلام الديموقراطي والمقصود توفير أقصى قدر ممكن من الدقّة في نقل الأنباء والسعة في وجهات النظر والوقوف مواقف مستقلّة تجاه المؤسّسات العامّة والسياسية.

إتّبعت التشكيلات الصحفية الأولى في إسرائيل النموذج الأوروبي من حيث الدور الإعلامي حيث أثّرت ثقافة الموالاة الأوروبية على كيفية عمل الصحافة الإسرائيلية التي اتّصفت بالتبعية والتماهي مع أحزاب سياسية حدّدت لها أجندتها.

خلال السنوات الأولى من قيام الدولة حاول الصحافيون الإسرائيليون وإن كانوا يعملون لحساب صحف لها أراء واضحة النزعة الالتزان بالدقّة وسعوا وراء تغطية معظم الموادّ الاخبارية الهامّة يوميًا. مع ذلك عملت كل صحيفة وسيلةً لنشر عقيدة سياسية معيّنة وتمّ تلوين الموادّ الاخبارية بألوان الايديولوجيا التي تمسّكت بهل كل صحيفة. ورغم اعتبار الصحف أداة ايديولوجية إلاّ أنّها كانت بمثابة تعبير عن نشوء الديموقراطية ما قبل إقامة الدولة وذلك من خلال النقاشات الساخنة التي كانت تدور على صفحات كل صحيفة وفيما بينها حول طبيعة الدولة الناشئة.

إشتملت هذه الصحافة الموالية على نوعين, أوّلهما تجاري واسع الانتشار كان أبرز ممثّليه صحيفتا "يديعوت أحرونوت" و"معاريف" أمّا الثاني فقد تمثّل بمجلّة "هعولام هازيه" المناوئة للمؤسّسة وتعود لمحرّرها أوري أفنيري". أثّرت هذه المجلّة تأثيرًا دراميًا على دور الصحافة في إسرائيل بحيث شجّع "افنيري" على اتّخاذ موقف انتقادي من الحكومة وهي ممارسة لم تعتد عليها الصحف في ذلك الحين.

طوال سنين شاركت جميع الصحف تقريبًا باستثناء "هعولام هازيه" توجّهًا معيّنًا ذهب إلى حدّ التطرُّف في بعض الأحيان يقول بالامتناع عن توجيه أي انتقاد إلى الحكومة باسم ما كان يسمّى "المصلحة الوطنية" وقد وصل هذا التوجّه ذورته قبيل نشوب حرب "يوم الغفران" في عام 1973 عندما التفتت الصحافة إلى مطلب الجيش بعدم تحذير القرّاء من الحرب الوشيكة. جاءت نتيجة الحرب الوخيمة ليوبّخ العديد من الصحافيين أنفسهم على التقصير بواجبهم وغيّروا توجّههم حيال مسؤوليتهم كصحافيين.

شهدت الثمانينات تغيُّرًا بل تحسُّنًا على دور الصحافة في الديموقراطية الإسرائيلية حيث أخذت الصحافة الموالية تغيّر صورتها وتخفض تقديم الأخبار الملوّنة بصورة ملحوظة في مسعى لاستقطاب أكبر عدد ممكن من جمهور القرّاء. على ذلك أخذت تتراجع نسبة قرّاء "هعولام هازيه" بعد اتّخاذ الصحف القطرية موقفًا أكثر تشدُّدًا وتحديًا من الحكومة. بالإضافة إلى ذلك أثّر ظهور التلفاز والإذاعة الحرّة تأثيرًا كبيرًا على كيفية عمل الصحف وتصاعد في عام 1982 خلال حرب لبنان عندما لم تتردّد الصحافة في انتقاد الحكومة إلى جانب نقل التقارير المستمرّة والمعلومات الهامّة حول الحرب إلى الجمهور.

 

ساهمت زيادة انتشار أعداد الصحف المحلّية إضافة إلى صدور مجلّة ابتكارية في تشجيع الخطاب الصحفي المتنامي خلال الثمانينات والمقصود مجلّة "مونيتين" التي ساعدت في شقّ الطريق أمام أنواع إعلامية أخرى أن تتبنّى هذا النمط من الصحافة وكانت نموذجًا على شكل المجلّة الذي أصبح رائجًا في وقت لاحق في المسرحين التلفزيوني والإذاعي. أفسح شكل المجلّة أمام الصحف تغطية مواضيع واسعة لم تقتصَر على الموادّ الاخبارية فقط بل تناولت قصصًا ذات اهتمام إنساني لاقت اهتمامًا أكثر لدى قطاعات أوسع من الجمهور الإسرائيلي.

أخذت الصحف الموالية تحتجب عن الصدور في نهاية الثمنينات لأسباب اقتصادية وأخرى حيث لم يبقَ بعد هذه الفترة سوى ثلاث صحف يومية هي "هآريتس" التي تستهدف القرّاء المفكّرين المثقّفين و"معاريف" و"يديعوت أحرونوت" اللتين تركّزان أكثر على التقارير الفضائحية والصور وتتنافس هتان الصحيفتان على سوق القرّاء نفسها. هذه الصحف الثلاثة تعود إلى ملكية عدّة عائلات التي تتمتّع نتيجةً لذلك بنفوذ هائل وقدرة التأثيرعلى الأجندة قوميًا وإعلاميًا.

ولكن المخاوف من استخدام هذه العائلات لنفوذها في سبيل بسط هيمنتها وفرض أجندتها على الإعلام ثبت أنه ليس لها ما تعتمد عليه نظرًا لالتزام الصحافة إضافة إلى وسائل الإعلام الالكترونية بتغطية الأخبار في إسرائيل والعالم بصورة كاملة ونزيهة. في الواقع جميع الأحداث تقريبًا التي تقضح فساد المسؤولين العامين كشفت عنها الصحافة المكتوبة كما وتساعد المنافسة الطبيعية بين الصحف لكسب القرّاء على الحؤول دون وقوع هذه الصحف ضحية لنزعات أصحابها.

مع ذلك يستصعب كاتب هذا المقال حقيقة أنّ هذه هي الصحف الثلاث الوحيدة في البلاد إذ إنّه لواضح أن مثل هذا الوضع لا يسمح بوصول الآراء ووجهات النظر والمعلومات الواسعة النطاق إلى الجمهور على الشكل المطلوب. الأسباب في غياب صحف قطرية أخرى عن الخارطة الإسرائيلية اقتصاديةٌ في الأساس, أضف إلى ذلك أنّه يصعب تصوُّر بقاء صحيفة يومية أخرى في البيئة التجارية الإسرائيلية.

يقبل العاملون في مجال الصحافة في إسرائيل بل ويلتزمون بالتوجّه الصحفي الأوروبي بتصرّفهم الضمني الذي يرتكز إلى دستور من مبادئ السلوك والآداب يشمل التحليل الانتقادي ونقل المعلومات الموثوق بها. يتمتّع غالبية العاملين في هذا المجال بالتحصيل العلمي والمعرفة الواسعة ولم تحدث سوى حالات قليلة من فضح اختراقات لهذه المبادئ أو تشويه الحقائق بصورة متعمّدة على يد صحافي أو مراسل مهمِل.

يهتمّ المجتمع الإسرائيلي بالسياسة اهتمامًا كبيرًا حيث يمكن لأي قرار سياسي أن يؤثّر بل إنّه يؤثّر فعلاً مرّات كثيرة على حياة السكّان في البلاد, واستمرارًا لذلك فإنّ نموذج "الصحافة الفضائحية" الواسعة الشعبية في دول كثيرة أخرى لا تُقبل في إسرائيل بمثل هذا السرور مع العلم أنّ الإسرائيليين يقرأون تواقين للحصول على حقائق وأنباء دقيقة. والنتيجة أنّ الصحف اليومية وغيرها من وسائل الإعلام في إسرائيل تتعاطى مع قضايا يومية جوهرية وتراقب الحكومة وتقدّم لقرّائها وجمهورها معلومات سياسية شاملة.

هذا وقد عُرف الشعب الإسرائيلي بأنّه يحبّ النقاشات النشطة لتقوم الصحافة بدورها بتوقير المنتدى ومنصّة الجدالات. ويبرز من البرامج الأكثر شهرة في إسرائيل برنامج الطاولة المستديرة الذي يستضيف أفرادًا وشخصيات عن كافة ألوان الطيف يعبّرون بحماس عن وجهات نظر مختلفة حول العديد من القضايا.

تشكّل المعلومات الموثوق بها واحترام تعدّد الآراء والتشجيع على الانتقاد الفعّال للحكومة مؤشّرات على تصرّف الصحافة في المجتمع الديموقراطي الإسرائيلي.

في السنوات الأخيرة ظهر في إسرائيل, شأنها شأن بقية العالم لاعبًا جديدًا على المسرح ألا وهو الانترنت ليصبح النشاط في مجاله واسعًا ومكثّفًا ويسمح للعديد من الكيانات والأفراد الاندماج في الخطاب والنقاش العام. تحتضن إسرائيل آلاف الأبواب والمواقع الشبكية وتوفّر جميع الصحف صيغة الكترونية على الخطّ تحفل بالنقاشات النشطة يتعاطى يتناول بعضها قضايا سياسية وعامّة. كما ويتوفّر عبر  chatsو  talkback منتدى لآلاف الأشخاص الذين لم يتمكّنوا من التعبير عن أنفسهم بصورة حرّة حتّى ظهور الانترنت. إجمالاً يمكن القول إنّ الإسرائيليين الذين لا يتردّدون أبدًا في خوض نقاش يستغلّون وسيلة الانترنت أحسن استغلال.

ما زالت إسرائيل ديموقراطية ناشئة في مرحلة التطوُّر وإذا كان البعض على الساحة العامّة يتساءل حول الدوافع وراء انتقاد الصحافة للحكومة في أوقات الحرب إلاّ أنّ المجتمع الإسرائيلي يدرك إجمالاً أنّ صحافة قوية ونشطة ضرورية لوجود ديموقراطية متينة وتشكّل قيمة من القيم الجديرة بالنضال من أجلها. من التحدّيات التي تواجهها إسرائيل إذا أرادت تحقيق رؤياها بالتحوّل إلى دولة ديموقراطية حقيقية الترسيخ والتوعية على المخاطر الكامنة في محاولات فرض القيود على الصحافة وإفهام الجمهور للدور الذي يلعبه الإعلام الإسرائيلي حتى في ظلّ ظروف عصيبة.

 

 

الصحفي روقيك روزنتال عمل محرّرًا لقسم المقالات والآراء في صحيفة "معاريف" بين العامين 1997 – 2002 وقد حصل على جوائز واشتهر بكتاباته عن أبعاد اللغة السياسية والثقافية. ومن هذه الجوائز حصل في عام 2004 على جائزة "سوكولوف" وهي الأرقى من نوعها التي يقدّمها عالم الصحتفة الإسرائيلي مكافأةً على عمله في هذا المجال.

 


 

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً
   روابط إلى مواقع وسائل الإعلام
روابط خارجية
  The Israel Democracy Institute
           
     الردود (feedback) | خارطة الموقع