(تم أخذ هذا الفصل من كتاب "الصهيونية" (1995) للبروفسور بنيامين نويبرغير)
الصهيونية هي الحركة الوطنية التي تتمسك بفكرة استرداد الشعب اليهودي لوطنه- أرض إسرائيل- وعودة الحياة اليهودية السيادية فيه.
فقد استمر التطلع إلى عودة اليهود إلى صهيون خلال الفترة الطويلة التي أقام فيها اليهود في المهاجر, في أعقاب الاحتلال الروماني وخراب الهيكل الثاني بأيدي الرومان عام 70 ميلادية. وفي القرن التاسع عشر بدأ يأخذ التطلع الى صهيون شكلا جديدا مع ظهور الوطنية المعاصرة والليبرالية والانعتاق التي أدت باليهود إلى محاولات للتعامل مع تساؤلات ومشاكل جديدة.
كانت حركة "محبة صهيون" التي نشأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تنادي بعودة الحياة اليهودية في أرض إسرائيل وبدأت بإقامة تجمعات زراعية في إسرائيل. ولكن في فترة لاحقة بذل هرتصل جهودا لتحويل الصهيونية إلى حركة سياسية وبادر إلى انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في العام 1897. وكان هرتصل أول من نجح في استقطاب الاهتمام الدولي بالقضية اليهودية وحول الشعب اليهودي إلى لاعب على الساحة السياسية الدولية. والحركة الصهيونية التي نشأت على أساس المبادرات التي قدمها هرتصل أقامت لها هيئات وآليات تنظيمية وسياسية واقتصادية لتنفيذ رؤيتها وإيديولوجيتها.
الحركة الصهيونية حددت وأعلنت أهدافها الرئيسية : إقامة الوطن القومي للشعب اليهودي على أرض إسرائيل- على أساس "خطة بازل".
إلى جانب الحركات التي رفضت فكرة إحياء الوطنية اليهودية, انضوت تحت مظلة الصهيونية مجموعات مختلفة مثل الصهيونية الدينية أو الصهيونية الاشتراكية. كل هذه المجموعات كانت تسعى إلى تحقيق الهدف ذاته وهو إقامة موطن قومي لليهود وهي المبادرة التي توّجت بإقامة دولة إسرائيل عام 1948.
ترجمة معاصرة لفكرة قديمة
يشتق إسم "الصهيونية" من كلمة "صهيون" التوراتية وهو الاسم المرادف التقليدي لأورشليم القدس وأرض إسرائيل. والصهيونية هي أيديولوجية تمثل التطلع المستمر لليهود في أنحاء العالم الى استرداد وطنهم القومي التاريخي- صهيون, أرض إسرائيل.
ويعود الأمل اليهودي في العودة الى الوطن القومي الى اليهود الذين هجروا إلى بابل قبل حوالي 2500 سنة- وهو الأمل الذي تحول إلى حقيقة في نهاية المطاف. ("على أنهار بابل هناك جلسنا، فبكينا عندما تذكرنا صهيون". مزامير دؤود 137:1 ). هكذا لم تخترع الصهيونية التي نشأت في القرن التاسع عشر فكرة العودة ولا كيفية تطبيقها وإنما جمعت بين فكرة قديمة وحركة ناشطة وجعلتهما مؤهلتين معا لتلبية حاجات العهد وروحه.
إن جوهر فكرة الصهيونية يتمثل في "إعلان إقامة دولة إسرائيل" ("وثيقة الاسقلال") ( 14أيار/ مايو 1948 ) والتي تبدأ بهذه الكلمات :
" نشأ الشعب اليهودي في أرض إسرائيل, وفيها اكتملت هويته الروحانية والدينية والسياسية , وفيها عاش لأول مرة في دولة ذات سيادة , وفيها أنتج
قيمه الثقافية والقومية والانسانية وأورث العالم أجمع كتاب الكتب الخالد. وعندما أجلي الشعب اليهودي عن بلاده بالقوة, حافظ على عهده لها وهو في بلاد مهاجره بأسره ولم ينقطع عن الصلاة والتعلق بأمل العودة إلى بلاده واستئناف حريته السياسية فيها".
تقوم فكرة الصهيونية على أساس الرابطة الطويلة والمستمرة بين الشعب اليهودي وأرضه وهي العلاقة التي بدأت قبل 4000 عام تقريبا, عندما توطن إبراهيم الخليل في كنعان التي أصبحت معروفة في فترة لاحقة باسم أرض إسرائيل.
يتمثل جوهر التفكير الصهيوني في مبدأ كون أرض إسرائيل المنشأ التاريخي للشعب اليهودي والإيمان بأن تواجد الشعب اليهودي في أي مكان آخر يعني العيش في المنفى. وقد عبر عن هذه الفكرة موشيه هيس في كتابه : "روما وأورشليم القدس" (1884 ) :
" لقد تبلورت الحضارة اليهودية خلال عهدين رئيسيين : الأول, بعد التحرر وخروج الشعب اليهودي من مصر الفرعونية, والثاني, عودة اليهود من بابل.
وسيأتي العهد الثالث مع عودة اليهود إلى أرض إسرائيل من المهاجر".
خلال عقود من الزمن في المهاجر, حافظ اليهود على روابط فريدة من نوعها مع وطنهم التاريخي معبرين عن تطلعهم الى صهيون بالطقوس والشعائر والأدب.
معادة السامية : عامل في نشوء الصهيونية
رغم أن الصهيونية تعبر عن الرابطة التاريخية بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل, غير أن ظهور الصهيونية المعاصرة كحركة وطنية ناشطة في القرن التاسع عشر ليس من الواضح إن كان يتم دون ظاهرة معادة السامية المعاصرة وحالة الاضطهاد المستمر طوال قرون التي تعرض لها اليهود في المهاجر.
هُجر اليهود خلال قرون من معظم الدول الأوروبية - ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وويلس وإسبانيا والبترتغال. والحديث عن تجربة متراكمة كان لها صدى كبير خاصة في القرن التاسع عشر, تلك الفترة التي فقد فيها اليهود الآمال في احتمال حدوث تغيير جذري في حياتهم. هذه الأجواء كانت مصدر ظهور القادة اليهود الذين تبنوا الصهيونية نتيجة لخطورة ظاهرة معاداة السامية التي كانت سائدة في المجتمعات المحيطة بهم.
هكذا أصبح موشيه هيس الذي أصيب بصدمة من فرية الدم التي كانت تلفق ضد اليهود في دمشق (1844 ) أصبح مؤسس الصهيونية الاشتراكية. وليؤون بينسكير الذي هزته المجازر ضد اليهود (1881-1882) التي أعقبت اغتيال القيصر اسكندر الثاني, تولى قيادة حركة "محبة صهيون". وتيودور هرتصل كصحافي في باريس والذي تعرض بنفسه لحملة اللا - سامية التي نُظمت على خلفية قضية درايفوس هو الذي حوّل الصهيونية إلى حركة سياسية.
وسعت الحركة الصهيونية إلى حل "القضية اليهودية", مشكلة الأقلية الدائمة, مشكلة الشعب الذي يتعرض مرارا وتكرارا للمجازر والاضطهادات, ومشكلة المجتمع المشرد الذي تعزز شعوره بالاغتراب بسبب التمييز بمعاملة اليهود كلما هاجروا إلى مكان آخر. لقد سعت الصهيونية إلى مواجهة هذه الأوضاع من خلال تحريك عملية عودة اليهود إلى وطنهم التاريخي - أرض إسرائيل.
بالحقيقة, غالبية موجات هجرة اليهود الضخمة إلى إسرائيل في العهد المعاصر كانت بمثابة رد مباشر على أعمال القتل والتمييز التي استهدفت اليهود. كانت الهجرة الأولى ردأ على المجازر في روسيا خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر. فجاءت الهجرة الثانية ردا على مجزرة كيشينييف وموجة من المذابح ضد اليهود في أوكرانيا وروسيا البيضاء في مطلع القرن العشرين. أما بالنسبة للهجرة الثالثة فجاءت عقب المذابح التي استهدفت اليهود خلال الحرب الأهلية في روسيا. الهجرة الرابعة ومصدرها بولندا تمت خلال العشرينيات من القرن الماضي على خلفية القوانين التي بادر إليها غروسكي للحد من النشاطات الاقتصادية لليهود في بولندا. والهجرة الخامسة كانت خلفيتها فرار اليهود من النازية في ألمانيا والنمسا.