التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     تأريخ (تأريخ الشعب اليهودي والحركة الصهيونية)     لمحة عن التأريخ     هرتصل والحركة الصهيونية

هرتصل والحركة الصهيونية

  بنيامين زئيف هرتصل ( 1860- 1904)      

 
  
  
"في بازل وضعت الأسس لإقامة الدولة اليهودية...وربما خلال خمس سنوات, وبلا شك بعد خمسين عاما, سيدرك الجميع ذلك"
هرتصل في بازل (1898)  ( الأرشيف الصهيوني المركزي)

ُولد تيودور (بنيامين زئيف) هرتصل مؤسس الصهيونية السياسية المعاصرة في بودابست في العام 1860, وتلقى تعليمه بروح حركة التنوير اليهودية الألمانية حيث بلور موقفه الإيجابي من الثقافة العلمانية.  في العام 1878 انتقلت عائلة هرتصل إلى فيينا. وفي العام 1884 حصل على درجة الدكتوراة في مجال القانون من جامعة فيينا. وأصبح هرتصل في ذلك الحين كاتبا روائيا وكاتبا مسرحيا وصحافيا حيث عمل مراسلا في باريس للصحيفة الليبرالية البارزة انذاك"Neue Freie Press" " 

خلال تلقيه الدراسة في جامعة فيينا عام 1882 وقف هرتصل لأول مرة عن كثب على ظاهرة اللا- سامية الأمر الذي انعكس كثيرا على سيرة حياته وعلى مصير اليهود في القرن العشرين.  وفي وقت لاحق خلال فترة إقامته في باريس تعرض هرتصل شخصيا لظاهرة معاداة السامية. وكان هرتصل في ذلك الوقت يعتبر المشكلة اليهودية قضية اجتماعية. وفي العام 1894 انتهى من كتابة مسرحية تحمل اسم : الغيتو ( حي اليهود) والتي عبر من خلالها رفضه لفكرة اندماج اليهود في الشعوب الأخرى أو اعتناقهم لديانات جديدة حلأ للقضية اليهودية. هرتصل كان يأمل في أن تؤدي مسرحية "غيتو" إلى إثارة نقاش مفتوح وبالتالي إلى حل يعتمد على التسامح والاحترام المتبادلين بين المسيحيين واليهود.

 

إعلان ليوبيل المنظمة الصهيونية العالمية عام 1947  ( الأرشيف الصهيوني المركزي) الكتاب Der Judenstaat  "الدولة اليهودية" الذي ألّفه هرتصل
         ( الأرشيف الصهيوني المركزي)

 

في العام 1894 وجه القضاء الفرنسي بصورة ليس لها ما يبررها  تهمة الخيانة إلى النقيب ألفريد دريفوس (Alfred Dreyfus) الضابط اليهودي في الجيش الفرنسي, وذلك على خلفية أجواء اللا- سامية التي كانت سائدة في تلك الفترة.  هرتصل الذي شاهد الجماهير في تلك الفترة وهم يصرخون: "الموت لليهود" استنتج أن الحل الوحيد او الطريقة الوحيدة لمواجهة الحملة اللا- سامية تتمثل بهجرة ضخمة لليهود إلى أرض يمكن لهم أن يعتبروها ملكا لهم. وهكذا أصبحت قضية دريفوس أحد العوامل الحاسمة في نشوء الصهيونية السياسية.

هرتصل استنتج أن معادة السامية عامل ثابت في المجتمع الإنساني لا يمكن لفكرة اندماج (اليهود) أن تحله.  على هذا الأساس كان هرتصل يدرس فكرة السيادة اليهودية,  وعلى الرغم من تعرضه لسخرية بعض القادة اليهود, نشر في العام 1896 الكتيب الذي يحمل العنوان "Der Judenstaat"  , "دولة اليهود".  هرتصل شدد على أن جوهر القضية اليهودية ليس فرديا وإنما قوميآ  وصرح بأن الطريقة الوحيدة التي تمكّن اليهود من الحصول على القبول الدولي تتمثل في عدم استمرار كونهم ظاهرة قومية استثنائية.  وقال إن اليهود شعب واحد يمكن تحويل مآزقه الى قوة إيجابية وذلك من خلال إقامة دولة يهودية بموافقة القوى العظمى. هرتصل كان ينظر الى القضية اليهودية كقضية سياسية دولية يجب التعامل معها في سياق السياسة الدولية.

وقدم هرتصل خطة عملية لجمع الأموال من اليهود في أنحاء العالم وذلك بواسطة منظمة تعمل من أجل تحقيق هذا الغرض ( وهذه المنظمة عندما تم تأسيسها سميت المنظمة الصهيونية).  وتصور هرتصل الدولة اليهودية العتيدة كدولة اجتماعية نموذجية مستندًا في أفكاره إلى النموذج الأوروبي الذي كان سائدا في تلك الفترة والذي كان أساسه مجتمعا متنورا معاصرأ.  مثل هذه الدولة ستكون محايدة ومحبة للسلام وعلمانية.

إن الأفكار التي عرضها هرتصل لاقت حماس الجماهير اليهودية في أوروبا الشرقية, رغم أن القادة اليهود كانوا أقل تحمسا إزاء تلك الأفكار.
ومع ذلك نظم هرتصل وترأس المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية بين 29 و-31 أغسطس آب 1897 والذي شكل أول اجتماع دولي لليهود ينعقد على أساس وطني وعلماني. وخلال المؤتمر تبنى الممثلون اليهود "خطة بازل" التي حددت أهداف الحركة الصهيونية. كما أعلن الممثلون في المؤتمر أن الصهيونية تستهدف إقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين على أساس القانون العام. وتم خلال المؤتمر تأسيس المنظمة الصهيونية  ذراعا سياسيا للشعب اليهودي, وتم انتخاب هرتصل اول رئيس له.

وفي العام ذاته أسّس هرتصل المجلة الأسبوعية الصهيونية Die Velt
وبدأ نشاطاته من أجل الحصول على وثيقة رسمية تسمح  بتوطين اليهود في أرض إسرائيل. 

هرتصل في بازل (1898)  ( الأرشيف الصهيوني المركزي)

هرتصل مع الوفد اليهودي في أورشليم القدس (1900 ) ( مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي)

وفي أعقاب المؤتمر الصهيوني الأول بدأت الحركة الصهيونية تلتئم سنويا في إطار المؤتمر الصهيوني الدولي.  في العام 1936 نقل مركز الحركة الصهيونية إلى أورشليم القدس. في العام 1902 نشر هرتصل كتابه "الأرض القديمة الجديدة" Altneuland الذي وصف فيه الدولة اليهودية العتيدة كالمجتمع الأمثل.  هرتصل تصور مجتمعا جديدا ينشأ في أرض إسرائيل على أساس تعاوني يستفيد من العلوم والتكنولوجيا لتطوير الدولة. وشمل هرتصل في كتابه أفكارا مفصلة حول رؤيته للدولة العتيدة من ناحية الهيكل السياسي والهجرة وجمع الأموال والعلاقات الدبلوماسية والقوانين الاجتماعية والعلاقة بين الدين ولدولة.
في كتابه  Altneuland وصف هرتصل الدولة اليهودية كمجتمع تعددي وتقدمي, "النور الذي تهتدي به جميع الشعوب".  وكان لهذا الكتاب صدى كبير جدًا لدى اليهود في تلك الفترة وأصبح رمزا للرؤية الصهيونية في أرض إسرائيل.

هرتصل شدد على ضرورة الحصول على الدعم والتشجيع من القوى العظمى للأهداف الوطنية للشعب اليهودي.  لهذا الغرض قام هرتصل في العام 1898 بجولة في إسرائيل واسطنبول للقاء القيصر الألماني فيلهلم الثاني والسلطان العثماني. وعندما باءت جهوده بالفشل توجه هرتصل إلى بريطانيا حيث التقى جوزيف تشامبرلين وزير المستعمرات البريطاني وشخصيات أخرى.  ولكن الاقتراح الحقيقي الوحيد الذي تلقاه من المسؤولين البريطانيين تمثل في فكرة إنشاء منطقة حكم ذاتي لليهود في شرق إفريقيا, في اوغندا.

زيارة هرتصل لروسيا في العام 1903 كانت فرصة له للوقوف عن كثب على مذبحة كيشينييف والظروف الصعبة التي كان يعيشها اليهود في روسيا آنذاك. وكان لتلك الزيارة تأثير كبير على هرتصل. وفي العام ذاته عرض على المؤتمر الصهيوني السادس المبادرة البريطانية لإنشاء منطقة حكم ذاتي لليهود في أوغندا ملجأً أو ملاذا ليهود روسيا الذين كانوا يتعرضون لخطر حقيقي. ورغم محاولات هرتصل لإقناع الحضور بأن المبادرة البريطانية لن تؤثر سلبًا على الهدف الرئيسي الذي حددته لها الحركة الصهيونية وهو إنشاء كيان يهودي في أرض إسرائيل, إلا أن المبادرة أثارت عاصفة في المؤتمر وكادت أن تقود إلى انقسامات وانشقاقات داخل الحركة الصهيونية. ولكن في نهاية المطاف رفضت الحركة الصهيونية خطة أوغندا في مؤتمرها السابع في العام 1905.

هرتصل توفي في العام 1904 بسبب التهاب رئوي  بالإضافة إلى الإرهاق الذي كان يعاني منه نتيجة الجهود الحثيثة التي بذلها من أجل الصهيونية.
ولكنه نجح قبل رحيله في ترسيخ مكانة الحركة الصهيونية على الخارطة السياسية العالمية.  وفي العام 1949  نُقل رفات هرتصل إلى إسرائيل حيث تم دفنه في الجبل الذي أُطلق عليه اسم " جبل هرتصل"  في أورشليم القدس.

هرتصل هو الذي ابتكر عبارة "إذا صدق عزمكم فهي ليست اسطورة" التي تحولت إلى شعار الحركة الصهيوية.  ورغم أن احدا في تلك الفترة لم يكن يتصور ذلك, غير ان الحركة الصهيونية وبعد مرور خمسين عاما فقط على المؤتمر الصهيوني الأول نجحت في إقامة دولة إسرائيل المستقلة.

 

المؤتمر الصهيوني : من الشتات إلى إسرائيل

هرتصل خلال المؤتمر الصهيوني الأول (1897 ) ( مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي )

 

انعقاد المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين في إسرائيل (1968 )
   ( الأرشيف الصهيوني المركزي)

الصهيونية

(تم أخذ هذا الفصل من كتاب "الصهيونية" (1995)  للبروفسور بنيامين نويبرغير)


الصهيونية هي الحركة الوطنية التي تتمسك بفكرة استرداد الشعب اليهودي لوطنه- أرض إسرائيل- وعودة الحياة اليهودية السيادية فيه.

فقد استمر التطلع إلى عودة اليهود إلى صهيون خلال الفترة الطويلة التي أقام فيها اليهود في المهاجر, في أعقاب الاحتلال الروماني وخراب الهيكل الثاني بأيدي الرومان عام 70 ميلادية.  وفي القرن التاسع عشر بدأ يأخذ التطلع الى صهيون شكلا جديدا مع ظهور الوطنية المعاصرة والليبرالية والانعتاق التي أدت باليهود إلى محاولات للتعامل مع تساؤلات ومشاكل جديدة.
كانت حركة "محبة صهيون" التي نشأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تنادي بعودة الحياة اليهودية في أرض إسرائيل وبدأت بإقامة تجمعات زراعية في إسرائيل. ولكن في فترة لاحقة بذل هرتصل جهودا لتحويل الصهيونية إلى حركة سياسية وبادر إلى انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في العام 1897.  وكان هرتصل أول من نجح في استقطاب الاهتمام الدولي بالقضية اليهودية وحول الشعب اليهودي إلى لاعب على الساحة السياسية الدولية. والحركة الصهيونية التي نشأت على أساس المبادرات التي قدمها هرتصل أقامت لها هيئات وآليات تنظيمية وسياسية واقتصادية لتنفيذ رؤيتها وإيديولوجيتها.

الحركة الصهيونية حددت وأعلنت أهدافها الرئيسية : إقامة الوطن القومي للشعب اليهودي على أرض إسرائيل- على أساس "خطة بازل".
إلى جانب الحركات التي رفضت فكرة إحياء الوطنية اليهودية, انضوت تحت مظلة الصهيونية مجموعات مختلفة مثل الصهيونية الدينية أو الصهيونية الاشتراكية. كل هذه المجموعات كانت تسعى إلى تحقيق الهدف ذاته وهو إقامة موطن قومي لليهود وهي المبادرة التي توّجت بإقامة دولة إسرائيل عام  1948.

ترجمة معاصرة  لفكرة قديمة

يشتق إسم "الصهيونية" من كلمة "صهيون" التوراتية وهو الاسم المرادف التقليدي لأورشليم القدس وأرض إسرائيل.  والصهيونية هي أيديولوجية تمثل التطلع المستمر لليهود في أنحاء العالم الى استرداد وطنهم القومي التاريخي- صهيون, أرض إسرائيل.

ويعود الأمل اليهودي في العودة الى الوطن القومي الى اليهود الذين هجروا إلى بابل قبل حوالي 2500 سنة- وهو الأمل الذي تحول إلى حقيقة في نهاية المطاف.  ("على أنهار بابل هناك جلسنا، فبكينا عندما تذكرنا صهيون".  مزامير دؤود 137:1 ).   هكذا لم تخترع الصهيونية التي نشأت في القرن التاسع عشر فكرة العودة ولا كيفية تطبيقها وإنما جمعت بين فكرة قديمة وحركة ناشطة وجعلتهما مؤهلتين معا لتلبية حاجات العهد وروحه.
إن جوهر فكرة الصهيونية يتمثل في "إعلان إقامة دولة إسرائيل" ("وثيقة الاسقلال")  ( 14أيار/ مايو 1948 ) والتي تبدأ بهذه الكلمات :
" نشأ الشعب اليهودي في أرض إسرائيل, وفيها اكتملت هويته الروحانية والدينية والسياسية , وفيها عاش لأول مرة في دولة ذات سيادة , وفيها أنتج
قيمه الثقافية والقومية والانسانية وأورث العالم أجمع كتاب الكتب الخالد. وعندما أجلي الشعب اليهودي عن بلاده بالقوة, حافظ على عهده لها وهو في بلاد مهاجره بأسره ولم ينقطع عن الصلاة والتعلق بأمل العودة إلى بلاده واستئناف حريته السياسية فيها".

تقوم فكرة الصهيونية على أساس الرابطة الطويلة والمستمرة بين الشعب اليهودي وأرضه وهي العلاقة التي بدأت قبل 4000 عام تقريبا, عندما توطن إبراهيم الخليل في كنعان التي أصبحت معروفة في فترة لاحقة باسم أرض إسرائيل.

يتمثل جوهر التفكير الصهيوني في مبدأ كون أرض إسرائيل المنشأ التاريخي للشعب اليهودي والإيمان بأن تواجد الشعب اليهودي في أي مكان آخر يعني العيش في المنفى. وقد عبر عن هذه الفكرة موشيه هيس في كتابه : "روما وأورشليم القدس" (1884 )  :

" لقد تبلورت الحضارة اليهودية خلال عهدين رئيسيين : الأول, بعد التحرر وخروج الشعب اليهودي من مصر الفرعونية, والثاني, عودة اليهود من بابل.
وسيأتي العهد الثالث مع عودة اليهود إلى أرض إسرائيل من المهاجر".

خلال عقود من الزمن في المهاجر, حافظ اليهود على روابط فريدة من نوعها مع وطنهم التاريخي معبرين  عن تطلعهم الى صهيون بالطقوس والشعائر والأدب.

 


معادة السامية : عامل في نشوء الصهيونية


رغم أن الصهيونية تعبر عن الرابطة التاريخية بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل, غير أن ظهور الصهيونية المعاصرة كحركة وطنية ناشطة في القرن التاسع عشر ليس من الواضح إن كان يتم دون ظاهرة معادة السامية المعاصرة وحالة الاضطهاد المستمر طوال قرون التي تعرض لها اليهود في المهاجر.

هُجر اليهود خلال قرون من معظم الدول الأوروبية - ألمانيا  وفرنسا وبريطانيا وويلس وإسبانيا والبترتغال. والحديث عن تجربة متراكمة كان لها صدى كبير خاصة في القرن التاسع عشر, تلك الفترة التي فقد فيها اليهود الآمال في احتمال حدوث تغيير جذري في حياتهم. هذه الأجواء كانت مصدر ظهور القادة اليهود الذين تبنوا الصهيونية نتيجة لخطورة ظاهرة معاداة السامية التي كانت سائدة في المجتمعات المحيطة بهم.
هكذا أصبح موشيه هيس الذي أصيب بصدمة من فرية الدم التي كانت تلفق ضد اليهود في دمشق (1844 ) أصبح مؤسس الصهيونية الاشتراكية.  وليؤون بينسكير الذي هزته المجازر ضد اليهود (1881-1882) التي أعقبت اغتيال القيصر اسكندر الثاني, تولى قيادة حركة "محبة صهيون".  وتيودور هرتصل كصحافي في باريس والذي تعرض بنفسه لحملة اللا - سامية التي نُظمت على خلفية قضية درايفوس هو الذي حوّل الصهيونية إلى حركة سياسية.

وسعت الحركة الصهيونية إلى حل "القضية اليهودية", مشكلة الأقلية الدائمة, مشكلة الشعب الذي يتعرض مرارا وتكرارا للمجازر والاضطهادات, ومشكلة المجتمع المشرد الذي تعزز شعوره بالاغتراب بسبب التمييز بمعاملة اليهود كلما هاجروا إلى مكان آخر. لقد سعت الصهيونية إلى مواجهة هذه الأوضاع من خلال تحريك عملية عودة اليهود إلى وطنهم التاريخي - أرض إسرائيل.

بالحقيقة, غالبية موجات هجرة اليهود الضخمة إلى إسرائيل في العهد المعاصر كانت بمثابة رد مباشر على أعمال القتل والتمييز التي استهدفت اليهود.  كانت الهجرة الأولى ردأ على المجازر في روسيا خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر. فجاءت الهجرة الثانية ردا على مجزرة كيشينييف وموجة من المذابح ضد اليهود في أوكرانيا وروسيا البيضاء في مطلع القرن العشرين. أما بالنسبة للهجرة الثالثة فجاءت عقب المذابح التي استهدفت اليهود خلال الحرب الأهلية في روسيا.  الهجرة الرابعة ومصدرها بولندا تمت خلال العشرينيات من القرن الماضي على خلفية القوانين التي بادر إليها غروسكي للحد من النشاطات الاقتصادية لليهود في بولندا.  والهجرة الخامسة كانت خلفيتها فرار اليهود من النازية في ألمانيا والنمسا.

دافيد بين غوريون يعلن استقلال دولة إسرائيل ( 14 مايو 1948)
         (مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي)

ولكن حتى بعد إقامة دولة إسرائيل في العام 1948 كانت الموجات الضخمة من الهجرة إلى إسرائيل مربوطة بظاهرة التمييز والقمع التي تعرض لها اليهود:  الناجون من الكارثة التي حلت باليهود في أوروبا ولاجئون من الدول العربية فارين من الاضطهادات التي كانوا يتعرضون لها عقب إقامة دولة إسرائيل, وبقايا اليهود في بولندا الذين فروا من حملة المعادة للسامية في عهد غومولكا وموزكار, واليهود في روسيا ودول أخرى في الاتحاد السوفياتي سابقا الذين كانوا يخشون من حدوث موجات جديدة من اللا- سامية عقب انهيار الاتحاد السوفياتي.

إن تاريخ موجات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل يوفر التأكيد الاقوى للموقف الصهيوني القائل بأن إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل يتمتع فيها اليهود بالأغلبية هو الحل الوحيد "للقضية اليهودية".

 

نشوء الصهيونية السياسية

نشأت الصهيونية السياسية, الحركة الليبرالية القومية للشعب اليهودي في القرن التاسع عشر وسط موجة القومية الليبرالية التي اجتاحت أوروبا في تلك الفترة.

الصهيونية دمجت بين ركني القومية الليبرالية - التحرير والوحدة - وذلك من خلال سعيها الى تحرير اليهود من قبضة الأنظمة الأجنبية القمعية والمعادية من جهة ومن جهة أخرى إعادة الوحدة اليهودية  من خلال تنظيم عملية قدوم اليهود في المهاجر, من أنحاء العالم الأربع, إلى الوطن اليهودي.

كان ظهور الصهيونية كحركة سياسية يشكل أيضًا ردًا على فشل حركة التنوير اليهودية في حل "القضية اليهودية".  حسب مبادئ الصهيونية يعود هذا الفشل إلى كون الانعتاق الفردي والمساواة مستحيلا بالنسبة لليهود دون الانعتاق والمساوة على المستوى القومي, ذلك لأن القضايا القومية تتطلب حلولا قومية.
والحل القومي الصهيوني تمثل في  إقامة دولة قومية يهودية يتمتع فيها اليهود بالاغلبية في وطنهم التاريخي, مُنجزا بذلك حق الشعب اليهود في تقرير مصيره.

الصهيونية لم تعبتر "تطبيع" الظروف اليهيودية مخالفا للأهداف والقيم الإنسانية.  كما تؤيد الصهيونية حق أي شعب في العالم بأسره في الحصول على وطنه قائلة إن الشعوب التي تتمتع بالسيادة والاستقلال فقط هي التي يمكن لها أن تتحول إلى عضو كباقي الأعضاء في الأسرة الدولية.
 

الصهيونية : حركة تعددية

رغم أن الصهيونية كانت في الأساس حركة سياسية تسعى إلى تحقيق عودة اليهود إلى وطنهم متمتعين بالحرية والاستقلال والأمن وإقامة الدولة, غير أنها سعت أيضأ إلى تطوير الثقافة اليهودية.  وكان أحد العوامل الهامة في هذا السياق إحياء اللغة العبرية التي كان استخدامها يقتصر خلال سنوات طويلة على الطقوس  والأدب. وقد سعت الصهيونية إلى تحويل اللغة العبرية إلى لغة قومية فعالة ليتم استخدامها في المحافل الحكومية والجيش والتربية والعلوم والأسواق وفي الشارع.

ومثلما كان الوضع بالنسبة إلى قوميات أخرى كانت للصهيونية علاقات متبادلة مع أيديولوجيات أخرى مما أدى إلى نشوء تيارات ومجموعات صهيونية مختلفة.
فعلى سبيل المثال خلق الاندماج بين القومية والليبرالية تيار الصهيونية الليبرالية. فيما كانت نتيجة دمج الاشتراكية نشوء الصهيونية الاشتراكية. كما أن لقاء الصهيونية بالتيارات الدينية ولد الصهيونية الدينية.  وتأثير القومية الأوروبية كان مصدر الإيحاء للمجموعات القومية اليمينية. في هذا السياق لم تختلف الصهيونية عن سائر القوميات التي تبنت هي الأخرى ميولا مختلفة, ليبرالية وتقليدية واشتراكية (يسارية) ومحافظة (يمينية).
 

 

الصهيونية والقومية العربية

كان معظم مؤسسي الصهيونية يعلمون حقيقة تواجد سكان عرب في فلسطين (أرض إسرائيل) (رغم أن بعضهم تحدثوا بسذاجة عن "أرض بلا شعب" او عن "شعب بلا أرض").  على أية حال القلائل منهم اعتبروا التواجد العربي عقبة أمام تحقيق أهداف الصهيونية.  في تلك الفترة في نهاية القرن التاسع عشر لم تكن القومية العربية قائمة في أي شكل وكان عدد السكان العرب في فلسطين ضئيلا ولم يكونوا مهتمين بالسياسة. لذلك كان العديد من القادة الصهاينة يميلون إلى الاعتقاد بأن حقيقة تواجد عدد قليل نسبيا من السكان العرب في فلسطين قد تمنع مشاكل بينهم وبين اليهود العائدين إلى أرض إسرائيل.
وكان القادة اليهود مقتنعين أيضا بأن التطورات المستقبلية بعد إقامة دولة إسرائيل قد يستفيد منها الشعبان مما يقنع العرب بالتعاون. على أية حال هذه الآمال لم تتحقق.

في مقابل المواقف والتوقعات المعلنة التي أبداها المفكرون الصهاينة والذين كانوا يسعون إلى تحقيق أهدافهم بالطرق السلمية وبالتعاون مع العرب, اصطدم التواجد اليهودي المتجدد في أرض إسرائيل بمعارضة عربية مناضلة.  لفترة ما وجد العديد من الصهاينة صعوبة في لإدراك وقبول عمق الخلاف, الذي تحول بالفعل إلى مواجهة بين شعبين يعتبر كل منهما الأرض ملكا له - اليهود على خلفية روابطهم التاريخية والروحية, والعرب بسبب التواجد المستمر للدول العربية في الأرض.

بين الأعوام 1936-1947 تصاعد الصراع بين الجانبين على أرض إسرائيل. فقد أصبحت المعارضة العربية اكثر تطرفا بالتزامن مع زيادة عدد السكان اليهود وتطور المجتمع اليهودي في البلاد. وفي الوقت ذاته رأت الحركة الصهيونية انه بات من الضروري زيادة الهجرة اليهودية إلى إسرائيل وتطوير البنى التحتية الاقتصادية للبلاد وذلك من أجل إنقاذ اكبر عدد ممكن من اليهود من الجحيم النازي في أوروبا.

وأدت المواجهة بين اليهود والعرب التي كان يبدو انه لا يمكن تجنبها , أدت بالأمم المتحدة إلى إصدار القرار في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 الذي ينص على إقامة دولتين في المناطق الواقعة غربي نهر الأردن- إحداهما يهودية والثانية عربية. وقبل اليهود القرار في حين رفضه العرب.

في 14 أيار/ مايو, 1948, بموجب قرار الأمم المتحدة الصادر في نوفمبر 1947, أُعلن رسميا عن إقامة دولة إسرائيل.

 

هرتصل يلقي كلمة أمام المؤتمر الصهيوني في بازل. ( مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي)
الكنيست ( البرلمان الإسرائيلي) في إحدى جلساته يوؤاف لويف

دولة إسرائيل : الحلم الذي تحقق

الصهيونية في القرن الحادي والعشرين

شكلت إقامة دولة إسرائيل تحقق الهدف الصهيوني المتمثل في الحصول على وطن معترف به دوليا وقانونيا للشعب اليهودي في أرضه التاريخية, حيث يعيش اليهود دون اضطهاد وحيث يستطيعون تطوير حياتهم وهويتهم.

منذ العام 1948 حددت الصهيونية مهمتها الأولى بالاستمرار في دفع عملية "جمع الشتات" التي دعت في حينه إلى بذل جهود حثيثة لإنقاذ الجاليات اليهودية التي كانت تتعرض جسديا وروحيا للخطر.  كما سعت الصهيونية بعد 1948 إلى الحفاظ على وحدة الشعب اليهودي واستمراريته وركزت على مركزية إسرائيل في حياة اليهودية في كل مكان.

خلال القرون الماضية شكل التطلع إلى استرداد الشعب اليهودي لأرض إسرائيل الرابطة التي وحّدت الشعب اليهودي في الشتات.  اليهود في أنحاء العالم قبلوا الصهيونية عقيدة يهودية ويدعمون دولة إسرائيل معتبرين إياها تطبيقا أساسيا للصهيونية ومقدرين مساهمة دولة إسرائيل ثقافيا واجتماعيا وروحيا بصفتها عضوا في الأسرى الدولية وتطبيقا حيويا وإبداعيا للروح اليهودية.

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
           
     الردود (feedback) | خارطة الموقع