ومن بين هذه التساؤولات – كيف كان من الممكن أن تحدث مثل هذه الجريمة النكراء بمثل هذا الحجم المروع في أواسط القرن العشرين, في قلب أوروبا المعاصرة؟ كيف يعقل أنه في مثل هذه الدولة المتقدمة التي أصبح شعبها مثالاً يقتدى به من الناحية الثقافية, تم تقديم الدعم الساحق لعملية إبادة شعب مدبّرة؟ كيف حدث أن تكون سلطات الدولة قد خططت ونفذت عملية قتل شعب لم تكن هناك أي مواجهة معه بل كان عاجزاً عن الدفاع عن نفسه؟ وفوق كل ذلك هناك سؤال مزعج يطرح نفسه – ما هو الشيئ الذي حوّل الناس إلى قتلة من جهة ومتفرجين من جهة أخرى, حيث يقفون مكتوفي الأيدي ويقومون باقتراف الجريمة أو يقبلون بارتكابها؟
وأدت هذه التساؤولات إلى ظهور أجوبة وتفسيرات عديدة. ولكنه, وعلى الرغم من جميع محاولاتنا ومن الأجوبة الجزئية المقترحة, لا يمكن توفير رد شامل, أو الإشارة إلى الطرق الكفيلة بالحيلولة دون تكرار مثل هذه الظواهر في المستقبل.
هل كانت الكارثة حدثاً مميزاً فريداً من نوعه, وإذا كان هكذا – ما هي الأشياء التي تعطي الكارثة هذا الطابع المميّز؟
هناك من يبدي تحفظات من تعريف الكارثة بأنها حدث فريد من نوعه لا سوابق له. ويشير هؤلاء إلى أن أعمال قتل ومذابح عديدة وقعت على امتداد التاريخ, مثل الإبادة الجماعية للهنود الحمر في أرجاء الولايات المتحدة, كما وقعت أعمال قتل جماعية تنطوي حقا على إبادة مجموعات عرقية أو دينية كبيرة ( جينوسايد) في الفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها, في دول مثل الاتحاد السوفياتي, الصين, يوغوسلافيا ورواندا.
إن التمييز لمعرفة الطابع المميز والفريد من نوعه لحدث وقع في المجتمع البشري يلزم بمقارنة هذا الحدث مع أحداث مشابهة أو مماثلة في الماضي. وفعلا, فإن الأبعاد التي تنطوي عليها مثل هذه المقارنة تشير إلى أنه توجد في الكارثة عناصر عديدة لا يمكن العثور عليها في أحداث أخرى للقتل والمذابح.
وتشتمل المكونات الرئيسية التي تقدم للكارثة طابعاً مميّزاً قياسياً مع أحداث قتل جماعية أخرى على الأبعاد التالية:
أ) لم تكن لليهود أي مواجهة أو خصومة مع الألمان, بل عكس ذلك كان صحيحاً, حيث كان العديد من أبناء الجاليات اليهودية في ألمانيا وخارجها ينظرون بإيجاب إلى الدولة الألمانية وثقافتها. أما المذابح وأعمال القتل الجماعية التي تعرض لها شعوب أخرى, فوقعت على خلفية وجود نزاعات قومية أو سياسية, حيث كانت هناك اعتبارات عملية أمام نصب عيون مرتكبي هذه الأعمال. أما في العلاقات بين اليهود والألمان, فكان السبب الوحيد الذي دفع بالألمان إلى ارتكاب أعمالهم العقيدة النازية العنصرية وما رافقها من مشاعر اللاسامية المتطرفة.