التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الديانة اليهودية     ذرية إبراهيم     اليهودية والحداثة - أوروبا الشرقية

اليهودية والحداثة: أوروبا الشرقية

 

القومية اليهودية
 ظلت الهوية اليهودية مبنية على القومية الدينية حتى العصر الحديث.  وهذه لا تعني القومية الحديثة كما حددتها الدولة القومية الحديثة، بل تعنى بالأحرى شعوراً بالهوية والصداقة مع كل اليهود في أي مكان في العالم.  يعتبر اليهود أنفسهم مختلفين عن جيرانهم من غير اليهود، سواء في بغداد أم القدس أم باريس، ويعتبرهم غير اليهود الذين يعيشون من بينهم كذلك .  والذي يجمع اليهود مع بعضهم البعض سواء أكانوا في الصين أم اليمن أم المغرب أم بولندا هو الإيمان والممارسة الدينية المشتركة، والطريقة المشتركة المتبعة في حياتهم اليومية بغض النظر عن اللغة المستعملة، ودرجة انعكاس الاختلافات الإقليمية في ثقافتهم المحلية.

 إن هذا المعنى للقومية الدينية أقرب إلى معنى الأمة الإسلامية من معنى الزمالة المسيحية، لأن تعاليم الديانة اليهودية تذهب إلى أبعد من شئون الإيمان المقبول.  وقد ساعدت مكانتهم كمواطنين من الدرجة الثانية في البلدان التي يعيشون فيها على خلق هوية عالمية قوية على مر القرون وآلاف السنين إلى درجة أن معنى القومية اليهودية قد يتجاوز حتى معنى الأمة في الإسلام، بالرغم من أن هذه الملاحظة قد يستحيل إثباتها.  ويكفي التصريح هنا أن الهوية اليهودية تظل قوة كبيرة حتى بين اليهود الذين يعتبرون أنفسهم ملحدين. وحتى الإلحاد لا يلغي الهوية اليهودية للشخص بحسب القانون اليهودي.

 

صعود قوميات أوروبا الشرقية وإقصاء اليهود
 إن الهوية الشخصية كانت قبل العصر الحديث مبنية أساسا على الطبقة الاجتماعية، والدين والجنس والإقليم.  ومع تطور الدولة القومية الحديثة أصبح الدين، نظريا، شأنا خاصا فقط، فأصبحت الدولة القومية الحديثة المرتكز الأساسي للهوية.  وبالرغم من أن يهود أوروبا الغربية كان لهم الاعتبار، في الغالب في المرحلة الانتقالية ما قبل الانتقال إلى مرحلة التحديد الحديث للهوية، فإن اليهود في أوروبا الشرقية التي يعيش فيها غالبيتهم الساحقة في القرن التاسع عشر لم يتحرروا.  ولقد عانى اليهود، خصوصا في الإمبراطورية الروسية، معاناة أكثر حتى من معاناة القوميات والإثنيات التي تعيش في عبودية القيصر. ومع نهاية القرن التاسع عشر حاول كثير من القوميات التي تعيش في الإمبراطورية الروسية أن تحرر نفسها من الحكم القيصري، وتشكيل دول قومية حديثة.  لكن، بعكس الوضع في أوروبا الغربية، فإن يهود أوروبا الشرقية لم يقبلوا كأعضاء مشاركين في الدول الجديدة الناشئة.  فلقد استبعدوا من حركات التحرير الوطنية، سواء في بولندا  أوكرانيا أو رومانيا أو روسيا أم حتى في الأماكن التي تكلموا ولبسوا فيها مثل السكان المحليين.  لم يتعرض اليهود فقط للمذابح المنظمة والقتل الوحشي تحت حكم القيصر، بل إنهم تعرضوا أيضا إلى ذات المعاملة من قبل الناشطين في حركات التحرير الوطنية.

 فواجه يهود شرق أوروبا حياتهم البائسة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بعدد من الطرق.  حاول كثير منهم الفرار عن طريق الهجرة إلى أوروبا الغربية وإلى الأمريكيتين، وقد وصل منهم إلى الولايات المتحدة ما يزيد بكثيرعلى مليون بين 1880 و 1920 وتمنى آخرون أن يجدوا السلوان وحتى الخلاص في الانغماس العميق في اليهودية.  ولقد أصبح جزء من يهود أوروبا الشرقية ناشطين في حركات سياسية عالمية على أمل القضاء على الأفكار المسبقة، وعدم المساواة. وذلك عن طريق بناء عالم تسود فيه المساواة الاقتصادية والاجتماعية من خلال الاشتراكية أو الشيوعية.  ولقد كان رد جزء آخر من يهود شرق أوروبا على مأساتهم بما فيها رفض حركات التحرير الوطنية لهم بأن وافقوا على أن طبيعة القومية اليهودية الخاصة هي التي منعتهم من الاندماج في الدولة الوطنية الأوروبية الحديثة.

 لقد استنتج هؤلاء اليهود الوطنيون أينما وجدوا بأنهم كانوا مرفوضين بسبب يهوديتهم. ولقد استبعد من حركات التحرير الوطنية حتى اليهودُ العلمانيون الذين تخلوا عن الدين تماما وذلك بسبب هويتهم اليهودية.  ولكن ما هو المشكل الحقيقي حول هويتهم التي جعلتهم غير لائقين بالنسبة للحركات القومية ؟ بالتأكيد ليس هو الدين، لأن كثيرا من الزعماء القوميين المعادين لليهود كانوا أيضا علمانيين.  بدأ بعض يهود أوروبا الشرقية يشعرون، منطقيا، بأن رفضهم لم يكن مبنيا على أساس هويتهم الدينية بل القومية.  لقد بينت لهم تجربتهم الشخصية أنه حتى تجاوزهم العقدة الدينية لم يمكنهم من القبول التام كبشر. واستنتج موسى هيس (Hess) ، أحد اليهود القوميين الأوائل:

 سنظل دائما غرباء بين الأمم .... إن التطرف الديني قد يتوقف عن
 تسبب كراهية اليهود في البلدان المتقدمة أكثر ثقافيا، لكن بالرغم مـن
 التنوير والتحرر فإن اليهودي في المنفى الذي لا يعترف بقومـيته لا
 يمكن أبدا أن يحظى باحترام الأمم التي يعيش بينها.

 

القومية اليهودية والصهيونية
 لم يكن هناك أمل لدى اليهود في الالتحاق بالحركات القومية في أوروبا الشرقية، وكانوا يعانون بشدة من العنف والسرقة والاغتصاب ، بل وحتى من المذابح على يد جيرانهم من الفلاحين، وحتى من الحكومات الاقليمية والوطنية التي يفترض أن تقدم لهم الحماية.  فلذلك دعا اليهود الوطنيون إلى إنشاء وطن يهودي لا يقعون فيه أبدا ضحية الكراهية وسلبيات الأديان والقوميات الأخرى، حيث يكونون تحت حكومة وقوة شرطة خاصة بهم. ولقد توصل القوميون اليهود قبل وقوع الهولوكست بزمن إلى النتيجة المنطقية مفادها أن الحياة لم تعد ممكنة تحت رحمة الشعوب التي تكرههم، وذلك نظرا لتجربتهم التاريخية الخاصة. ولقد كانت الأمم العديدة تخلص من عبودية السيطرة الأجنبية في العصر الحديث بتشكيل دول قومية خاصة بهم يستطيعون فيها تقرير مصيرهم.  وأعلنوا أن هذا ممكن كذلك لليهود، لأن اليهود أيضا يشكلون شعبا قوميا.

 لقد حدد مناظرو القومية الأوروبيون في ذلك الوقت ما يسمى بالقوميات كجماعات لها تاريخ ولغة وأرض ونظرة مشتركة.  ادعى القوميون اليهود أن اليهود يملكون كل معايير القومية هذه.  فتاريخهم المشترك معروف جدا وواضح، ولغتهم المشتركة هي اللغة العبرية القديمة التي يتعلمها اليهود في كل العالم.  لكن ليس كل اليهود يملكون النظرة نفسها.  فكثير منهم كانوا ينتظرون بخشوع مجئ المشيح (المسيح) وعمل آخرون على تحديث اليهودية في الوقت الذي كان فيه آخرون يرغبون في العلمانية والاندماج.  يتطلع القوميون إلى دولة يهودية.  وكانت الأرض المشتركة مشكلة إضافية لأن اليهود كانوا يعيشون عدة قرون في كل أنحاء العالم، ولم يكونوا يسيطرون على مصيرهم السياسي مدة ألفي سنة تقريبا.  رضي بعض القوميين اليهود بتأسيس دولة قومية يهودية في أي مكان شريطة أن تكون الأرض المختارة ملكية مقصورة على اليهود.  لكن معظم القوميين أصروا على أن الأرض الوحيدة المؤهلة حقيقة أن تكون الأرض القومية لليهود هي الأرض التي استقر فيها اليهود وزرعوها وحكموها ودافعوا عنها ما يربو على ألف سنة:  إنها أرض إسرائيل.  أصبحت الحركة القومية اليهودية تسمى الحركة الصهيونية، وذلك بسبب إصرارها أن صهيون فقط، وهو أحد الأسماء للعاصمة اليهودية القديمة القدس وبالتالي رمز كل أرض إسرائيل، وهو الذي يجب أن يكون مكان الولادة الجديدة للشعب اليهودي في دولة قومية حديثة.
 ظل الصهيونيون حركة أقلية بين الشعب اليهودي حتى وقعت الهولوكست (الكارثة)، حيث قام الذين يكرهون اليهود (بقيادة هتلر) بإبادتهم إبادة جماعية تقريبا، وبقي معظم أوروبا بكل بساطة واقفا يتفرج دون تدخل.  إن حقيقة التواطؤ العالمي من خلال اللامبالاة، إن لم يكن التدخل المباشر، في تدمير يهود أوروبا ساهمت في إقناع الشعب اليهودي، مع استثناءات قليلة، لمساندة قيام دولة يهودية حديثة في أرض إسرائيل.  يستطيع اليهود هناك أخيرا أن يحكموا ويدافعوا عن أنفسهم ولن يعودوا تحت رحمة الشعوب التي لا تهتم برفاهيتهم، أو تلك التي تعمل على اضطهادهم أو على تدميرهم. 

 

آراء الصهيونية عن العرب
 ستكون أية مناقشة غير كاملة إذا لم تتطرق إلى إشكالية السكان العرب الأصليين الذين يعيشون منذ زمن في فلسطين ، ما يسميه اليهود أرض إسرائيل.  على الغالب كان الصهيونيون يائسين بشدة لإيجاد حل لمأساة الحياة اليهودية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في أوروبا الشرقية، إلى درجة أنهم حاولوا تجاهل المشكل الحقيقي الجدي لغير اليهود الذين يعيشون على الأرض التي يرغبون أن يقيموا عليها دولة يهودية.  وبالطبع عارض العرب هجرات اليهود الكبيرة وسيطرتهم السريعة على الاقتصاد المحلي في فلسطين. وكانت ردة فعل الكثير نشطة وعنيفة في المحاولة لمنع مزيد من الهجرات.  قوبل هذا الموقف بقوة يهودية مما زاد في تصعيد التوتر. إن تاريخ الصراع معقد جدا للنظر فيه هنا بالتفصيل، ولدى العرب واليهود مواقف متباينة جدا حول هذه القضية.  يكفي القول هنا إن الصهيونيون لم يتفقوا فيما بينهم حول كيفية التعايش جنبا إلي جنب مع العرب داخل أو خارج الدولة اليهودية. وقد تباينت آراؤهم بشكل كبير. فقد دعت أقلية متطرفة إلي طرد كل العرب من المكان الذي يريدونه أن يكون خاصا بالدولة اليهودية، بينما أصرت فئات أخرى على دولة ثنائية القومية.  وشعر آخرون أن دولة يهودية تستطيع أن تمنح المساواة المطلقة والكاملة لجميع مواطنيها بغض النظر عن ديانتهم أو إثنيتهم أو تراثهم الثقافي.  ولقد عقّد انفجار العنف، وفي آخر الأمر وقوع الحرب، الوضع بين اليهود والعرب في فلسطين. وأدى إلى تطرف مواقف الجانبين، مما تسبب في حروب لاحقة ومحاولات سياسية لمعالجة الصراع.  يعتقد معظم اليهود، اليوم، أن التاريخ قد أثبت أن دولة قومية يهودية حديثة يحكمها ويدافع عنها اليهود هي فقط التي تستطيع ضمان أمن الشعب اليهودي، ولكن هذا لايمنع من حل وسط يعترف بحقوق الشعب الفلسطيني ايضا.

 

آراء اليهود عن العرب والمسلمين
 ماذا تعلم الديانة اليهودية عن العرب والمسلمين وعن التعايش في "الشرق الأوسط الحديث"؟ يجب الملاحظة، أولا وقبل كل شيء، أن التناخ والتلمود أقدس كتب اليهودية، قد جمعا وقننا قبل ولادة محمد، فلهذا لا توجد فيهما أي إشارة إلى المسلمين.  وكما ذكر في الفصلين الأول والثالث فإن التناخ العبرية قد سجلت علاقة النسب القريب بين الإسرائيليين والأمم العربية من خلال إبراهيم، أبيهم المشترك، لكن يبدو أنه لم يكن هناك اتصال مباشر كبير ومستمر بين المجموعتين في الفترة التوراتية.  كانت قصة موسى الذي تزوج بنت كاهن عربي حكيم من مدين يسمى يثرو هي الاستثناء المهم في هذا الاتصال القليل نسبيا بين المجموعتين.  أعان يثرون موسى وساعده علي تأسيس نظام حكم مناسب للإسرائيليين في خلال فترة التيه في الصحراء (الخروج 18) .  وورد في سفر نحميا (2: 19، 6: 1ـ6) أن عربيا باسم حشم حاول منع يهودا من العودة وإعادة بناء القدس رغم  حصولهم على الإذن من ملك الفرس. كان لملوك الحشمونيين اليهود علاقات طيبة لفترة مع الحضارة العربية للنبطيين الذين كانت البتراء عاصمتهم.  يشير التلمود أحيانا إلى العرب جنبا إلي جنب مع القوميات الأخرى، لكن لم يذكر كثيرا عنهم سواء سلبيا أم إيجابيا.  إن رأي الإسلام الذي تكون عن اليهود الذين يعيشون تحت السيطرة الإسلامية يميل أن يعكس المعاملة التي لقيها اليهود على أيدي أسيادهم المسلمين.  فلقد كتبوا غالبا عن أمور أخرى.  ومن المثير أن الصهاينة الأوائل كانوا ينظرون بعين الرضى إلى الثقافة العربية، وإلى المعاملة الحيادية بعامة التي تلقاها اليهود تحت الحكم الإسلامي.  ولقد اتجهت أنظار الصهاينة نحو الثقافة العربية والدين الإسلامي كحضارة مثالية يمكن أن تتسامح في وجود وطن أو دولة يهودية داخلها، وذلك جزئيا، كرد على العنف الفظيع الذي كان يهود أوروبا الشرقية يعانون منه على يد جيرانهم المسيحيين.  لكن الصراع، والعنف الذي وقع في النهاية بين اليهود والعرب في فلسطين تحت الانتداب البريطاني وضع حدا لهذه النظرة.  ولقد ساهم هذا الصراع العسير الذي أنزل الكارثة على اليهود والعرب في الشرق الأوسط منذ ذلك الوقت في المواقف السلبية في كلا الجانبين.  لكن يجب التنبية أن نصوص الديانة اليهودية منذ التوراة فصاعداً لم تكتب أي شيء بخاصة سلبي عن الثقافة العربية أو الدين الإسلامي.  لقد ظلت إلى حد ما محايدة. إن الديانة اليهودية ، إذاً، ليس لديها أي تعليم معين بخصوص العرب أو المسلمين يميزهم عن بقية البشرـ  وكما هو متوقع ، فإن اليهودية لا تنظر إلى المسيحية والإسلام كديانتين متساويتين معها، ولكنها أيضا لا توحي بأن المسيحيين والمسلمين الصالحين سيقصون من دخول الجنة في الآخرة.  إن المواقف السلبية المعاصرة تجاه العرب والإسلام في إسرائيل الحديثة هي نتيجة مباشرة للحروب الكثيرة والعنف الفظيع الذي تحمله اليهود الإسرائيليون خلال القرن الماضي.  هذا لا يعني بالطبع ، أن العرب الفلسطينيين لم يتأثروا تأثيرا بالغا من جراء هذه الحروب ومن جراء عمليات العنف الأخرى .  إن السلبية الإسرائيلية تجاه العرب والإسلام –والتي يعارضها قطاع كبير داخل المجتمع الإسرائيلي- قد تتغير خلال جيل او جيلين في الوقت الذي يقضي فيه سلام عادل وفاعل على الخوف والغضب الغامر الذي يشعر به معظم الإسرائيليين تجاه جيرانهم العرب المسلمين، وذلك بغض النظر عن إمكان تبرير ذلك أم لا.

 

الهولوكوست (الكارثة)
 تركت الهولوكوست أثرا يصعب إزالته في روح الشعب اليهودي.  وبالرغم من وجود محاولات لإبادة شعوب أخرى قبل الحرب العالمية الثانية، ومحاولات أخرى بعد ذلك، فإنه لم يحدث في تاريخ البشرية أبدا، أن سخّرت إمكانات هائلة من التخطيط الحذر، ونفقات ضخمة للموارد والجهد الإنساني الجبار من أجل القضاء على مجموعة واحدة من البشر.  لقد رد اليهود آنذاك وفي الوقت الحالي بطرق مختلفة.  فقد تخلى بعضهم عن أي التزام ديني مؤكدين أن تدمير يهود أوروبا يثبت أن الله قد تخلى عن الشعب اليهودي.  وفي المقابل فإن الآخرين أكثر تدينا والتزاما نتيجة فظائع الهولوكوست. وبالعبارات العَلمانية، فإن تذكر الفظاعة عمل على تعزيز معنى الشعب بين اليهود، ويؤكد دعمهم العام تقريبا لدولة إسرائيل آمنة.

 ولقد اختلفت ردود الفعل اليهودية أيضا على الهولوكوست فيما يتعلق بعلاقاتهم مع العالم غير اليهودي.  صمم بعضهم على المثابرة في العمل لمنع إلى الأبد توجيه الكراهية والعنف مرة أخرى إلى أي جماعة إنسانية.  ويرون أنه بما أن اليهود كانوا ضحايا لأفظع جريمة لا سابق لها في التاريخ فإن عليهم المسؤولية الرهيبة للمساعدة على ضمان أن لا يقع مثل ذلك الفعل أبدا مرة أخرى.
 وكانت ردة فعل أخرى على الهولوكوست هي الانكماش والابتعاد عن العالم، والتركيز فقط على البقاء اليهودي.  يحتج رواد هذه النظرة بأن اليهود ليسوا مدينين للعالم بأي شيء كضحايا أبرياء لأفظع جريمة في التاريخ البشري، وكضحايا لما يتعذر وصفه من المآسي المروعة والبشعة التي أنزلتها بهم بعض أمم العالم في حين وقف آخرون غير مبالين.

 وفي ردة فعل ثالثة لاترى أي صراع بين الإنعاش القومي اليهودي بعد الكارثة وبين الواجب الإنساني العام، يرى كثير من اليهود زعماء عرب فلسطين في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي مذنبين بالتواطئ في الهولوكوست.  لقد تعاون ، مثلا، المفتي الحاج أمين الحسيني زعيم القومية العربية في فلسطين مدة طويلة، مع ألمانيا النازية كأحد دعاتها الرئيسين للعرب.  فقد جند ونظم المتطوعين المسلمين للقضية النازية بدعم ومساعدة البرنامج النازي لإبادة الشعب اليهودي.  فلهذا، فإن الفلسطينيين والمسلمين لا يستطيعون الإدعاء أن لا دخل لهم بالهولوكوست بحسب هذا الموقف.

 لقد أسدلت الهولوكوست نوعا من الظلام على العلاقات بين اليهود والعرب، لأن اليهود يميلون إلى رؤية العرب كمجموعة أخرى مثل غيرها التي وقفت تتفرج، وسمحت بتدمير اليهودية الأوروبية.  وبالعكس فإن العرب يميلون إلى اعتبار أنفسهم أبرياء من الهولوكوست ويعتقدون أنها ظاهرة أوروبية محضة، واليوم يميل بعض العرب الى القول بأن الهلوكوست لم تحدث أصلاً وأنها مجرد دعاية يهوديه لتبرير إحتلال فلسطين.  يشكك اليهود أحيانا في موقف الإسلام نظرا لموقف الحسيني مفتي الإسلام بجانب زعماء الإسلام الآخرين الذين وافقوا أو تعاونوا أحيانا مع ألمانيا النازية وخططها في الشرق الأوسط.  ومن جهة أخرى ، فإن المسلمين ينظرون إلى الهولوكوست كظاهرة أوروبية ومسيحية، وليس لهم أي ارتباط بها على الإطلاق.  ومن وجهة نظرهم ، فإن الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل وفلسطين، وفوقهم أولئك الذين استبعدوا من المنطقة، قد أرغموا على تحمل عقاب الجرائم التي اقترفها الأوروبيون والمسيحيون ضد اليهـود.  إن ألم الوقوع كضحية، وألم الاتهام واللؤم عميق، ومن الصعوبة بمكان نسيانه.  إن بالإمكان تجاوز هذا الموقف جزئيا عن طريق حوار صادق ومناقشة صريحة، لكن الناس يستطيعون ومن الواجب عليهم، أن يتعلموا أن يعيشوا مع بعضهم حتى إذا تعذر وجود تفاهم كامل بينهم.

 

دولة إسرائيل
 تأسست دولة إسرائيل سنة 1948 بعد ثلاثة أعوام فقط من الهولوكوست. ولقد كان تأسيسها عن طريق الحرب والدم.  وكما ذكر سابقا، فإنه لا يوجد اليوم إلا عدد ضئيل من اليهود الذين لا يدعمون بشكل كامل إقامة دولة يهودية.  ولكن تعاليم التناخ والتلمود الدينية قد فسّرتا لتأييد تأسيس دولة يهودية حديثة، وعدم تأييد تأسيسها معاً.  إن جدل الموقفين معقد وغير واضح أحيانا، لكن من وجهة النظر الدينية فإن المسائل تدور حول فكرة المسيح.

 لقد توصل بعض الربانيون إلى نتيجة مفادها أن الله كتب على الشعب اليهودي أن يظل في المنفى إلى حين قدوم المسيح إثر تدمير الهيكل الثاني وتشتيت الرومان لليهود عقب ذلك.  لقد عّلموا أنه لم يعد بالإمكان، وليس مرغوبا لليهود أن يتحكموا في مصيرهم السياسي وسيظل الأمر كذلك إلى حين قدوم المسيح وقيامه بتخليص ليس فقط اليهود بل كل العالم.  ومن جهة أخرى فإن الحركة الصهيونية قد بدأت ونظمت بالكامل تقريبا من قبل الأشخاص الذين لم ينتسبوا إلى المبادئ الدينية والعقائدية للديانة اليهودية التقليدية. فإنهم لم يتفقوا مع الربانيين ولا طلبوا مشورتهم، وبالعكس فإنهم نادوا بتأسيس دولة عَلمانية حديثة، يكون فيها اليهود في مأمن من الاضطهاد والظلم ومن الخوف الدائم من العنف.

 وكنتيجة لهذا، فإن جماعة من زعماء الدين قد عارضوا الصهاينة منذ البداية.  وكانت المعارضة الدينية للصهيونية من ناحية ردا على المحاولات اليهودية السابقة لكسب الاستقلال السياسي في العصور القديمة والقرون الوسطى.  ولقد انتهت كل تلك المحاولات بالفشل وبالتدمير لعدد كبير من أهالي اليهودية فيما بعد.  وكان الدرس الذي استنتجه بعض زعماء الدين من هذه الكوارث هو أنه يجب على الناس أن ينتظروا حتى يأمر الله بموعد الخلاص.  فالله وحده فقط هو الذي يملك القدرة لتحديد موعد الخلاص.  فمحاولة "ليّ ذراع الله" في العمل عبر القنوات السياسية لإنشاء دولة يهودية لا تؤدي إلا إلى غضب الله وإلى تدمير بشع آخر، ولهذا بقي الصهاينة على وجهة الحصر تقريبا عَلمانيين.

 لكن مع الثلاثينات من القرن العشرين بدأ يظهر تفسير ديني جديد للصهيونية مع أفكار الحاخام أبراهام إسحاق كوك، أحد زعماء الطائفة اليهودية المؤثرين في فلسطين30 . فلقد اقترح أن الصهاينة العَلمانيين لم يقوموا بعملية ليّ الذراع مع الله، لكنهم كانوا في الحقيقة، يقومون بتنفيذ المخطط الإلهي، وإن كان ذلك عن غير قصد، بتأسيسهم دولة يهودية ، وبذلك فإنهم بدأواعملية الخلاص.  ويرى كذلك أن إرادة الله، كانت وهي لا تزال لغزا، لكن العلامات توحي بأن الخلاص النهائي قريب المنال.  وهكذا فإن على اليهود المتدينين مساعدة الصهيونيين، أو على الأقل، فإن عليهم أن لا يحكموا عليهم بالإدانة بسبب عملهم في بناء أرض إسرائيل. لقد تم تفسير بشاعة الهولوكوست من قبل بعض مناهضي الصهيونية من اليهود الأرثوذكس كعقاب شديد على محاولة ليّ الذراع مع الله (استباق الأحداث).  لكن بالنسبة لمعظم الآخرين، سواء من الأرثوذكس أو المحافظين ، أو الإصلاحيين أو العلمانيين فإن الهولوكوست أثبتت إيمانهم أن دولة يهودية فقط هي التي تستطيع أن تحمي يهود العالم من أي كارثة مستقبلية.

 لقد فسر كثير من اليهود الأرثوذكس انتصارات إسرائيل في حرب الاستقـلال سنة 1948، وأكثر من ذلك حرب 1967، على أنها علامات إلهية تبين أن الخلاص أصبح في متناول اليد أخيرا.  وكنتيجة لهذا أصبحت اليهودية الأرثوذكسية صهيونية أكثر فأكثر في خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بسبب وضع إسرائيل تماما داخل عملية وصول الخلاص النهائي قريب المنال.  لكن الصهيونية نفسها قد أخضعت لعدة تغييرات وتطورات.  ففي الوقت الذي يستمر بعض الصهاينة بالدعوة إلى السيطرة السياسية اليهودية على كل أرض التناخ الإسرائيلية، فإن الأغلبية الساحقة تتجه أكثر فأكثر نحو قبول دولة أقل حجما بكثير بحيث تخمي هويتها اليهودية والديمقراطية وتكون في علاقة تعاون وثيقة مع جيرانها العرب والمسلمين.

 

الديانات اليهودية ما بعد الحداثة
 ينظر إلى العصر الحالي أكثر فأكثر على أنه عصر "ما بعد الحداثة". وإن دلالات هذا التعبير كثيرة ، لكن بالنسبة للديانة اليهودية وممارستها وأفكار اليهود فإنها تعني أن فكر اليهود وحياتهم بدأت تتجاوز حدود الفكر الحديث.  هناك أشكال "ما بعد المذاهب" للديانة اليهودية تدمج ظواهر الحياة اليهودية المشتقة من مصادر مختلفة مثل الأرثوذكسية الصارمة، والإصلاح الليبرالي، وحتى من الحركات التي أدمجت عناصر اليهودية مع البوذية أو التقاليد الدينية الأمريكية الأصلية.  وهناك أيضا يهود "ما بعد الصهاينة"، الذين يدعمون دولة إسرائيل، لكنهم ينادون بأشكال من الثقافة الوطنية تكون حتى أكثر تعريبا أو حتى إسلامية بشكل جزئي.  وأهم شيء يجب نذكره هو أنه بالرغم من أن معظم اليهود يشعرون أنهم مرتبطون ارتباطا وثيقا بالأعضاء الآخرين المنتمين إلى حضارتهم وثقافقتهم القومية الدينية فإنه توجد صيغ مختلفة جدا للديانة وللثقافة اليهودية.  بعضم متدين ، وبعضهم عَلماني، لكن الكل ينتسب إلى الشعب أو الأمة اليهودية كوحدة.

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً
  

   تمهيد : دافيد .هاريس
   مقدمة المؤلف
   الجزء الأول:  مسح التاريخ اليهودي 
   الفصل الأول:الجذور
   الفصل الثاني:التعزير والشتات
   الفصل الثالث:  يهودية الأحبار (الحاخامين)، التلمود وعالم القرون الوسطى
   الفصل الرابع: الديانة اليهودية والحداثة- أوروباالغربية
   الفصل الخامس: اليهودية والحداثة: أوروبا الشرقية
   الجزء الثاني:  الله والتوراة وإسرائيل
   الفصل السادس: الله
   الفصل السابع: التوراة
   الفصل الثامن: إسرائيل
   الفصل التاسع:  الصلاة
   الفصل العاشر: المعبد اليهودي والبيت
   الفصل الحادي عشر: التقويم
   الفصل الثاني عشر: مدار الحياة اليهودية
   الفصل الثالث عشر: الالتزام الشخصي
   الجزء الرابع: مصير الإنسان
   الفصل الرابع عشر: احتمالات وهدف
   الفصل الخامس عشر: الخاتمةاليهود في جدول أحداث التاريخالمراجع والملاحظات
   الديانة اليهودية
   الأعياد اليهودية
   النصوص اليهودية المقدسة
   أدوات طقوس يهودية
   
 
   
 
     الردود (feedback) | خارطة الموقع