English
עברית
فارسی
التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الديانة اليهودية     ذرية إبراهيم     مقدمة المؤلف

مقدمة المؤلف

فصل من كتاب "ذرية إبراهيم" - مقدمة عن اليهودية للمسلمين
تأليف: روبن فايرستون

 تسببت التكنولوجيا المتقدمة في تقارب العالم ماديا أكثر من ذي قبل. فإن التقدم الدراماتيكي وتخفيض أسعار النقل والاتصالات العالمية قد مكنت الأشخاص المتشتتين على نطاق واسع من اللقاء والتحدث مع بعضهم البعض عبر الأقمار الصناعية أو البريد الألكتروني ومكنتهم أيضا من التفاعل عبر عدد من الوسائل لم يكن يُحلم أبدا حتى قبل جيل.  لكن زيادة تقاربنا المادي لم يقابله تقارب مماثل في المسافة البشرية على الصعيد الروحي.  لقد مكنتنا التكنولوجيا من شراء بضائع أكثر واكتساب ثروة لم يسبق لها مثيل، وساهمت أيضا في سرعة انتشار أمراض كثيرة ومواد ملوثة عبر الجبال، والصحارى والمحيطات التي تفصل بيننا.  لكنها (أي التكنولوجيا) لم تمكنا من تعايش سلمي أكبر، أو ثقة واحترام متبادلين أكثر. 
 عندما كانت الشعوب المختلفة تعيش منفصلة وفي شبه عزلة عن بعضها عدة قرون، كانت الشعوب الأجنبية تعد بالطبع غريبة علاوة على كونها مصدر تهديد.  فالجماعات الأجنبية تميل للدخول إلى أراضي غيرها بقصد الاستيلاء عليها أو على ثروتها ونهبها أو غزوها.  وقد كانت الجماعات الإثنية، والجماعات العرقية والدينية تستخف بغيرها الذي يهددها وذلك من أجل حماية طريقة حياة جماعتها المألوفة وتشديد المقاومة ضد الأجانب المخيفين.  ولقد كانت الشكوك بالغير، طبعاً، جزءا من سمة البشرية؛ ولقد تطبع معظم الناس حتى يومنا هذا علي الارتياب من الغريب. لكن اليوم، أصبحت العلاقة التقليدية بين "الداخلين" و"الخارجين"  تتغير بشكل سريع، ومع تقدم العولمة وصعود نسبة المهاجرين الجدد بشكل سريع وحركات الأشخاص عبر الأوطان تقريبا في كل المجتمعات المفتوحة، فإن الشعوب الإنسانية بدأت تختلط بشكل لم يكن تصوره ممكناً، أبدا، قبل عقود من الزمن فقط.  إن الأفكار المتحجرة حول الوطنية بدأت تعطي مكانا لترتيبات اجتماعية وسياسية معقدة، كما بدأت الولاءات الوطنية التاريخية في كثير من الأماكن تعطي مكانا لأفكار مؤقتة وأكثر غموضا حول الانتماء والولاء للجماعة.  وكثيرا ما تكون الأوطان القومية موطنا لأقليات إثنية وعرقية أو دينية مهمة. وكنتيجة لهذا الوضع فإن كثيرا من الناس بدأوا يدركون أن الآخر كثيرا ما لا يكون غير الذات.  لكن رغم صلتنا الإجبارية بمختلف الشعوب فإنه لا يزال لدينا سوى القليل من نماذج التعايش في عالم متعدد.  إن السرعة المذهلة والعجيبة للتغيير الاجتماعي العالمي تتخطى بكثير قدرتنا على مواجهة عواقبها بطرق واضحة وذات معنى؛ وقد أدت إلى رفع التوتر النفسي حول هويتنا الذاتية وإلى خوف أكبر من الآخر.  لم يكن الآخر في مأمن بعيد، بل إننا نشعر أنه يصطدم مع أهم حقائقنا الظاهرية بكل جلاء في حياتنا الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية.

 حتى حكمتنا الدينية والمبنية على الإرشاد الآلهي للتنزيل والتقليد، قد مالت لأن تنظر إلى الأديان الأخرى بتحفظ.  وهذا هو على الأقل منطق حركة التوحيد.  فإذا كان الله واحدا، خيِّرا رحيما وعالما بكل شيء، فلماذا أعطى تنزيلا مختلفا ومتناقضا في كثير من الأحيان إلى مختلف الأمم؟ إن الجواب التقليدي لهذا السؤال افترض أنه لو كان أكثر من تنزيل واحد صحيحا، فإن الله ، إذاً، ليس واحدا، ولا خيِّرا ولا رحيما ولا عالما بكل شيء، لكن هذا الجواب التقليدي ليس بالضرورة منطقيا، وكما ورد في القرآن، فإن الله في حكمته الواسعة قد بعث برسالة إلى مختلف الأمم (يونس 10 : 47، النحل 16 : 36) بلغة كل أمة وبحسب مستواها الثقافي ليستطيعوا فهم الرسالة. وتنشأ الإشكالية عندما تظهر النصوص المختلفة والإرادة الإلهية المنزلة في الظروف الثقافية المختلفة متناقضة.  والجواب التقليدي لهذه الإشكالية كان دوما اتهام كتابات الآخر المقدسة بعدم الدقة والصدق أو أنها مشوهة.  وتشجع هذه الاتهامات على الجواب نفسه من أتباع الديانة الأخرى، وبذلك تغوص الأديان وأتباعها في صراعات مريرة تقود في بعض الأحيان إلى حروب.

 إن الأديان القائمة هي التي تتهم الأديان الناشئة بالكذب.  ولهذا السبب فاليهودية لم تقبل بكتاب المسيحية ولم تقبل المسيحية ولا اليهودية بكتاب الإسلام.  وعلى عكس هذا، فإن كانت الأديان الناشئة تعترف بكتب ما قبلها فإنها كذلك تحاول التقليل من شأن مصداقيتها وشرعيتها حامية بذلك تنزيلها الجديد من التناقضات مع ما قبلها .  وهكذا فإن المسيحية اعتبرت القوانين الإلهية المصرح بها في التناخ متجاوزة بقدوم المسيح، واعتبر الإسلام وحي التوراة و الإنجيل محرفا، وبالتالي غير صادق كنص مقدس، وقد نجحت هذه المواقف في المحافظة على وحدة الأنظمة الدينية من قبل الداخلين، لكن ، في الوقت نفسه، قد شجعت الصراع بين الأديان الذي قاد بعضه ـ ويستمر إلى الآن، إلى إراقة الدماء والمعاناة الفظيعة. ومع الاختلاط المتزايد اليوم، في العالم وازدياد الأمم التي تقتني أسلحة الدمار الشامل والتي تخوض في منازعات تاريخية مبنية على الاختلاف الديني في مجملها، فإن هذا النوع من معاملة الأديان الأخرى لم يعد مشروعا ومقبولا.  إن تفكيرا جديدا حول العلاقة بين شعوب الديانات الثلاث مطلوب ، وهذا النوع من التفكير قد يكون ممكنا فقط عندما نتعرف أكثر إلى التعاليم والتقاليد الدينية لدى الآخر. 
 ليس هدف هذا الكتاب تشجيع الهداية إلى الاعتناق الديني.  لم يبذل أي جهد لمحاولة إقناع القارئ بأن الديانة اليهودية تملك حقيقة أو قيمة أكثر من الديانة الإسلامية. وفي الوقت نفسه، فإن الهدف لم يكن هنا تقديم مبررات للجوانب التي تعد مشكلة صعبة في الديانة اليهودية.  ومن جانب آخر، فإن المؤلف لا يرغب أن يساهم في استمرار الأفكار المسبقة الخاطئة وفي تشويهات الديانة اليهودية التي يمكن أن تكون عقبة للحوار وتفاهم أفضل.
 كثيرا ما يشار هنا إلي التشابه والتطابق بين الديانة اليهودية والديانة الإسلامية لصالح القارئ المسلم.  إن هدف القيام بذلك هو مساعدة القارئ على فهم أفضل للديانة اليهودية من خلال رؤيتها عبر العدسات الإسلامية.  إن الإشارة إلى التشابه والتطابق تساعد في بعض الأحيان على إلقاء الضوء على الفروقات غير الظاهرة أيضا.  ليست هنا لديَّ أي محاولة للاقتراح أن الديانة اليهودية والديانة الإسلامية هما الشيء نفسه، أو أنهما تعلمان ذات الدروس. الحقيقة هي أن اليهودية والإسلام حضارتان دينيتان منفصلتان نشأت كل منهما في أماكن مختلفة لدى شعوب مختلفة، في فترات تاريخية مختلفة نتيجة مجموعة مختلفة من القوى والظروف الاجتماعية والتاريخية.  إن الإشارة إلى أوجه التشابه والتطابق بين الديانتين قد لا تساعد القارئ المسلم فقط على فهم أفضل لليهودية، بل قد تساعده أيضا على تقدير قيمتها لدى اليهود.
 لابد من ملاحظة أن الديانة اليهودية قد تطورت عل مر قرون عديدة وأن اليهود يعترفون أن أنواع اليهودية الممارسة اليوم تختلف جوهريا عن اليهودية التي كانت تمارس في فترات التناخ القديمة.  ويوجد أيضا أشكال متنوعة للديانة اليهودية اليوم.  وكما هو الحال في كل فترات التاريخ اليهودي هناك مدارس مختلفة لتفسير التناخ، ومدارس مختلفة للقانون، واتجاهات مختلفة نحو الممارسة والتدين.  إن القارئ المسلم سيلاحظ على وجه السرعة أن لدى هذه الظاهرة نظيرتها في الإسلام كذلك.  إن المقصود بالديانة اليهودية في هذا الكتاب هو ما يمكن تسميته بالاتجاه السائد (mainstream) ، بخلاف الممارسة الرادكالية للأرثودكس المتطرفين (متحمسين دينيا) ، أو الممارسة الرادكالية ، أيضا ، للإصلاح المتطرف (Ultra Reform) ، بالرغم من أن كليهما قد لا يختلف ، في كثير من الحالات ، مع الاتجاه المتبنى هنا. حاولت أن اتبع طريقا وسطا في الأوصاف التي اُقدمها عن الديانة اليهودية والتي يمكن أن يتفق معها معظم المتدينين اليهود.


 سيلاحظ القارئ أن الإشارات إلى الله وإلى محمد، والأنبياء تستعمل العادة الانجليزية المتعارف عليها.  وإن كنت أحترم كل أنبياء الديانة اليهودية، والمسيحية، والإسلام فإنني استعمل طريقة الإشارة اليهودية المعتادة.  فلذلك فإنني تجنبت كتابة التعبير الإسلامي المعتاد "صلى الله عليه وسلم" بعد ذكر الأنبياء الآخرين.  فإن هذه الطريقة ليست إلا مجرد مقتضيات أسلوب النثر في اللغة الإنجليزية ولا تعبر عن عدم الاحترام.
 أرجو السماح لي باختتام هذه المقدمة بهذه الملاحظة:  إن الهدف السامي لهذا الكتاب هو تحسين العلاقات بين المسلمين واليهود من خلال بناء تفاهم واحترام متبادل كبير.  إن هذا الهدف يعد مُلِحا بشكل خاص في الوقت الذي أصبحت فيه العداوة والعنف مرتبطين بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي يعد دمويا ومأساويا في الوقت الحاضر إلى درجة أنه يهدد بزيادة تنافر اليهود والمسلمين عبر العالم.  إن صميم الصراع الذي يعوق عملية السلام الحالية يدور حول القضية الحساسة والصعبة المتعلقة بالسيادة على الأماكن المقدسة خصوصا في القدس. وهكذا فإنه لا يمكن تجاهل البعد الديني للصراع؛ وبالفعل ، لا بد أن ينظر اليه كالأساس وأن تأثيره على العلاقات اليهودية الإسلامية في مجملها غير مبالغ فيه مهما أخذ في عين الاعتبار.     

يمثل هذا الكتاب والمشروع الكبير الذي يعد هذا جزءا منه مجهودا للمساعدة في بناء تفاهم بين الديانتين من خلال قول الحقيقة عن تاريخنا وأنظمتنا الدينية ودوافعنا، وهذه وظيفة خطيرة وملحة تحت الظروف الحالية الحالكة.  وهذه فرصة لا بد من اغتنامها فلهذا كنت سعيدا لتلبية دعوة الحاخام جيمس رودين والدكتور ستفن ستاينليت من اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC) للمساهمة في هذه السلسلة عن العلاقات اليهودية الإسلامية.  لقد لعب اللجنة دورا رائدا في شق الأرضية الجديدة ، نسبيا ، في العلاقات اليهودية الإسلامية الحديثة.  وعلينا أن لا نتوقف الآن، ونحن الملتزمون بتحسين التفاهم الإسلامي اليهودي بأعمالنا.

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً
  

   تمهيد : دافيد .هاريس
   مقدمة المؤلف
   الجزء الأول:  مسح التاريخ اليهودي 
   الفصل الأول:الجذور
   الفصل الثاني:التعزير والشتات
   الفصل الثالث:  يهودية الأحبار (الحاخامين)، التلمود وعالم القرون الوسطى
   الفصل الرابع: الديانة اليهودية والحداثة- أوروباالغربية
   الفصل الخامس: اليهودية والحداثة: أوروبا الشرقية
   الجزء الثاني:  الله والتوراة وإسرائيل
   الفصل السادس: الله
   الفصل السابع: التوراة
   الفصل الثامن: إسرائيل
   الفصل التاسع:  الصلاة
   الفصل العاشر: المعبد اليهودي والبيت
   الفصل الحادي عشر: التقويم
   الفصل الثاني عشر: مدار الحياة اليهودية
   الفصل الثالث عشر: الالتزام الشخصي
   الجزء الرابع: مصير الإنسان
   الفصل الرابع عشر: احتمالات وهدف
   الفصل الخامس عشر: الخاتمةاليهود في جدول أحداث التاريخالمراجع والملاحظات
   الديانة اليهودية
   الأعياد اليهودية
   النصوص اليهودية المقدسة
   أدوات طقوس يهودية
   
 
   
 
     الردود (feedback) | خارطة الموقع