English
עברית
فارسی
التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الديانة اليهودية     ذرية إبراهيم     الجذور

الجذور

فصل من كتاب "ذرية إبراهيم" - مقدمة عن اليهودية للمسلمين
تأليف: روبن فايرستون

التكوين
 يبدأ التناخ بالتكوين الآلهي للكون وكل العوالم التي جعلها فيه. إن القصة التوراتية للتكوين هي قصة وحدانية الله كخالق لكل شيء ولكل الطاقة وكل الحياة.  لا قوة خالقة غيره ولا شريك له. وكما أن وحدانية الله تتجلى في التناخ من خلال رحمته المطلقة في خلق العالم ولكل ما يحويه فإن وحدة العالم وكل مخلوقاته، أيضا، ناتجة عن قوته الإبداعية. 

 تحققت وحدة العالم من خلال قوانين الفيزياء والطبيعة التي كان مصدرها الإرادة الإلهية.  وكل الكائنات المخلوقة ـ سواءً أكانت حيوانا أم معدنا أم نباتا ، أم غازا أم سائلا أم جمادا ـ فإنها موجودة داخل الوحدانية الإلهية لأنها تعمل بحسب هذه القوانين الطبيعية. إن الاستثناء الوحيد لهذا النظام الموحد هو البشرية جنس المخلوقات الذي أثبت دائما قدرة محدودة على توظيف قوانين الطبيعة.

 ومن وجهة النظر التناخية، فإن هذه الطبيعة الخاصة بالطبيعة البشرية يمكن أن تكون نعمة ونقمة.  ومنذ البداية، فإن التناخ يصف البشرية على أنها غير قادرة على بلوغ حد إمكاناتها دون المساعدة الإلهية.  وأثبتت قصة آدم وحواء في الجنة هذا المبدأ منذ البداية (سفر التكوين 3) .  واستمرت قصة خطيئة الإنسان وخطئه في الحكايات الثلاث التالية:  قصة قابيل وهابيل (سفر التكوين 4) ، قصة نوح (سفر التكوين 6 ـ 9) ، وقصة برج بابل (سفر التكوين 11). وبالرغم من أن كل واحدة من هذه القصص تركز على شخصيات معينة، إلا أنها تعبر عن وصف عام لحالة الطبيعة الإنسانية التي لا تقبل الحدود.  إن القوة الإبداعية نفسها الكامنة في البشرية وطبيعتنا المستقلة قد تقود إلى سقوطنا وإلى عدم استطاعتنا المستمرة في العيش بحسب التوقعات الإلهية.  وبعد تثبيت هذا كحقيقة، يبين التناخ كيف يمكن لليهود بخاصة، وللإنسانية بعامة، أن يعيشوا بحسب إمكاناتهم.  ولا يمكن تحقيق هذا إلا من خلال التدخل الإلهي.  فمن سفر التكوين رقم 12 وصاعدا، وخلال بقية التناخ ، فإن الله يعطي التعليم والإرشاد للإنسانية من خلال الشعب اليهودي.  ولقد تم هذا، أولا، عن طريق التدخل الشخصي مع أسرة إبراهيم ، وثانيا بإنزال التوراة (حرفيا ، التعليم) أو قوانين السلوك التي يتوقع من البشر اتباعها.

 


إبراهيم: الهجرة والميثاق
 طلب الرب من إبراهيم مغادرة أرضه الأصلية، ووعده ببركة كبيرة، (سفر التكوين 1:12ـ3 ) :
" وقال الرب لأبرام : اترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك، واذهب إلى الأرض التي أريك فأجعل منك أمة كبيرة، وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة لكثيرين، وأبارك مباركيك وألعن لاعنيك، وتتبارك فيك جميع أمم الأرض".
يمثل هذا النداء الرباني بداية التوحيد وبداية تاريخ الشعب اليهودي الذي ينحدر من سلالة إبراهيم. لا يعرف في الديانة اليهودية سفر إبراهيم الذي استجاب فيه للنداء الإلهي بالهجرة كما جاء في الإسلام، لكن الديانة اليهودية ترى فيه وجه الشبه مع الهجرة كحد فاصل وكنقطة تحول إلي حالة روحانية جديدة ـ تتمثل في حالة إبراهيم في العلاقة الشخصية مع الله.  إن سبب نداء الله إبراهيم لم يفسر أبدا في التناخ، وبالرغم من هذا، فإن الأدب اليهودي اللاحق من القرنين الرابع والخامس في العصر الحالي (Common Era : C E) يعطي أجوبة على شكل نصوص قريبة من السرد القرآني.

قال الكاهن حيا، حفيد الكاهن أدي من يافو: كان تيرا يصنع الأوثان. لقد خرج يوما وأمر إبراهيم ببيعها له.  وعنـدما جاء رجل لشراء وثن سـأله إبراهيم: "كم عمرك؟ فأجابه: خمسون (أو ستون) سنة. تعجب إبراهيم : واأسفاه على رجل بلغ ستين عاما ويريد أن يعبد شيئا له من العمر يوم واحد فقط ".  شعر الرجل بخجل وانصرف.  وبعد ذلك أتت امرأة بطبق من الدقيق وقالت لإبراهيم: "خذ هذا واهده إليهم" فقام وأخذ هراوة وكسر كل الأوثان وبعد ذلك وضع الهراوة في يد أكبر الأوثان. فلما عاد أبوه صرخ قائلا: " من الذي قام بهذا العمل ضدهم؟  أجاب : لن أخفي ذلك عنك، جاءت إمرأة بطبق من الدقيق الممتاز وقالت لي "خذ هذا واهده إليهم ، أهديته إليهم وبدأوا يتخاصمون حول من سيبدأ منهم، وبعد ذلك قام كبيرهم وأخذ الهراوة في يده فحطمهم جميعا." وقال أبوه: "لماذا تتهكم علي ، هل لديهم أي علم؟" أجاب إبراهيم: "يجب على أذنيك أن تسمع ما يخرج من فيك."

وقد وصف إبراهيم، هكذا، بأنه أثبت علمه بوحدانية الله قبل نداء الله له، وعلى هذا فإنه يعطي جوابا على السؤال السابق.  فقد نادى الله إبراهيم أنه هو مثال الوحدانية الوحيد الذي أثبت أن وحدانية الألوهية يمكن التوصل إليها عن طريق العقل.

 وقد يكون هذا مصدر اختيار الله لإبراهيم، لكن على إبراهيم إثبات أحقيته في هذا الاختيار وذلك بإظهار طاعته لإرادة الله،  وقد قام بذلك.  وكما ورد في القرآن 2: 124 (وَإِذِ ابْتَلَى إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ)، وقد ذكر الله بعد موت إبراهيم أن "إبراهيم أطاع قولي، وحفظ أوامري ووصـاياي وفرائضي وشـرائعي" (سـفر التكـوين 26 :5). وفي الاصطلاح الإسلامي، فإن إبراهيم يعتبر المسلم المثالي لأنه أسلم كلية للإرادة الإلهية5. وفي المصطلح اليهودي فإن إبراهيم متقي الله ومطيع أوامره.
 
إن لمنـح الله إبراهيم عهـدا أبديا أهمية بالغة في الديانة اليهودية ( سـفر التكوين  17: 1 ـ 8 ):
"وعندما كان أبرام في التاسعة والتسعين من عمره ، ظهر له الرب قائلا: أنا هو الله القدير، سر أمامي وكن كاملا، فأجعل عهدي بيني وبينك، وأكثر نسلك جداً. فسقط أبرام على وجهه، فخاطبه الله قائلا: "ما أنا بقاطع لك عهدي، فتكون أبا لأمم كثيرة. ولن يدعى اسمك بعد الآن أبرام (ومعناه الأب الرفيع) بل يكون اسمك إبراهيم (ومعناه أب لجمهور) لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم. وأصيرك مثمرا جدا، وأجعل أمما تتفرع منك، ويخرج من نسلك ملوك.  وأقيم عهدي الأبدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك جيلا بعد جيل، فأكون إلها لك ولنسلك من بعدك، وأهبك أنت وذريتك من بعدك جميع أرض كنعان التي نزلت فيها غريبا، ملكا أبديا، وأكون لهم إلاها."
  
إن هذا العهد أساسا هو عقد. يتعهد الله لإبراهيم وذريته بالطيبات ويتحتم عليهم طاعة أوامره (السير في طريقه):
وقال الرب لإبراهيم: "أما أنت، فاحفظ عهدي، أنت وذريتك من بعدك مدى أجيالهم...أن يختتن كل ذكر منكم، تختنون رأس قلفة غرلتكم فتكون علامة العهد بيني وبينكم، تختنون على مدى أجيالكم كل ذكر فيكم ابن ثمانية أيام."
 
وكما ورد في القـرآن، فإن التناخ يرد فيه التكرار عندما يتحدث عن أفكار وأوامر بمعانٍ دقيقة ومصطلحات مختلفة، تشتمل بنود الميثاق الإبراهيمي على ذرية كثيرة وعهد بوطن في أرض كنعان التي سميت فيما بعد بأرض إسرائيل 6 .وعلى إبراهيم وذريته الامتثال لإرادة الله.  ولم تعط قوانين معينة هنا فوق الختان كدليل على الميثاق، لأن الله مازال مستمرا في علاقته مع إبراهيم وذريته وبإمكانه أن يبلغهم المطلوب منهم.  لكن الله فيما بعد قد أعد إسرائيل للزمن الذي يكون فيه الله صعب المنال، ولقد حدث هذا الاستعداد على جبل سيناء الذي أنزل عليه الله التوراة بمعنى التعليم.  ومنذ سيناء وصاعدا، فإن العهد أصبح محكوما بطاعة مدونة من القوانين الرسمية.

إسحاق وإسماعيل
 وفي الوقت نفسه، بقيت سارة زوجة إبراهيم دون أولاد رغم الوعد بكثرة الذرية. وقامت، إذاً، بتقديم جاريتها هاجر إلى إبراهيم زوجة ثانية. ولد إسماعيل من هذا الزواج وأخضع للختان امتثالا لأوامر الميثاق. لقد بارك الله إسماعيل إلا أنه عهد لإبراهيم وسارة أن ابنهما المقبل سيـكون ابن إبراهيم الوحيـد الذي سيـقيم عهـده معه إلى الأبد،(سفر التكوين 1 7: 20)
"أما إسماعيل فقد استجبت لطلبك من أجله. سأباركه حقا، وأجعله مثمرا وأكثر ذريته جدا فيكون أبا لاثني عشر رئيسا ويصبح أمة كبيرة. غير أن عهدي أبرمه مع إسحاق الذي تنجبه لك سارة في مثل هذا الوقت من السنة القادمة."
 
لم يتم في التناخ، أبدا، تفسير السبب الذي استبعد إسماعيل من الميثاق.  يميل علماء التناخ للاعتقاد أن هدف القصة، كما ورد من أمثاله في سفر التكوين، هو تفسير العلاقات الإثنية واللغوية القريبة بين الإسرائيليين والشعوب التي يعيشون في أوساطهم.  ورد إسماعيل في التناخ كالجد الأعلى للشعوب العربية.  بعض أولاده في سفر التكوين (رقم25)، مثل حدار في 15:25 لهـم أسماء عربيـة. وبعضهم له أسماء توحي بأسماء الأماكن في الأراضي العربية مثل دومة (دومة الجندل في الصحراء السورية) أو تيماء (مثل تيماء في الجزيرة العربية). إن قيدار، ابن إسماعيل هو أيضا اسم أحد القبائل العربية التي عاشت في وادي آل سرحان، في الأردن الحالي7 وبالنسبة لهذه النظرة فإن علاقة النسب بين إسماعيل وإسحاق يمكن أن تفسر أوجه التشابه الملحوظة في الشعـوب العربية القديمة التي كانت تربطهم علاقات اجتماعية واقتصادية .  وعلى المنوال نفسه، فإن سفر التكوين يصف العلاقة بين الإسرائيليين وجيرانهم الأدوميين من خلال ولدي إسحاق : يعقوب الذي يمثل إسرائيل، وأخوه التأوم عيسو* الذي يمثل قبائل أدوم8.
 
وفي سفر التكوين رقم 21 ، طردت هاجر وطرد إسماعيل من قبيلة إبراهيم، ولم يرد ذكر أي شيء آخر في التناخ عن إسماعيل وذريته. وبحسب التقليد اليهودي، فإن إبراهيم استمر في الاتصال مع ابنه إسماعيل لكن الديانة اليهودية لا علم لها بأي خبر عن بناء إبراهيم وإسماعيل الكعبة أو تطهيرها، أو أن إبراهيم أمر باستقرار إسماعيل وذريته هناك9.

بلوى إسحاق وعقدته
 إن ذروة حياة إبراهيم كانت استجابته لأمر الله في سفر التكوين رقم 22 للتضحية بولده إسحاق في أرض الموريا.  وعلى عكس السرد القرآني، فإن سرد هذه القصة في التناخ يحدد بالضبط أن إسحاق هو المعني بالتضحية وتعرف القصة بكاملها في التعبير اليهودي الشائع بالعقدة، أو عقدة إسحاق10.  ويحصل إبراهيم مرة أخرى وآخر مرة على العهد والبركة الإلهية بعد أن اجتاز بنجاح الامتحان النهائي في الطاعة والإيمان بالله.  ستكون ذريته كثيرة مثل نجوم السماء وكرمل شاطئ البحر، وسيحتلون أبواب مدن أعدائهم، وستتبارك جميع أمم الأرض بذريته.
 
يمثل إبراهيم نموذجا في التقليد اليهودي لبعض الخصائص الإنسانية الثمينة. إنه صبور في المشقة ويحب السلام (سفر التكوين 13 :8  – 9 )، إنه كريم تجاه الغرباء، ويهتم برفاهية الآخرين (23:18ـ33) وملتزم بتعليم مثاليات العدل والصواب لذريته (19:18) وهو دائما مطيع لله ولأوامره.

يعقوب والهبوط إلى مصر
 إن يعقوب، ابن إسحاق، المعروف كذلك في التناخ، بإسرائيل11 ،هو أب اثني عشر ولدا الذين يمثلون قبائل إسرائيل. إن قصة يوسف، ابن يعقوب، وخذلان إخوته له وبيعه للعبودية في مصر وتبوئه قمة السـلطة والثروة مذكورة معا في القرآن (سورة يوسف) وفي سفـر التكوين              (37:39-50).  وكما هو الحال في الإسلام، فإن قصة يوسف محبوبة جدا في الديانة اليهودية وقد كتبت عنها تعليقات، وكتب عديدة لكن الأهم من هذا بالنسبة لأهدافنا هو معنى خلاص بني إسرائيل من العبودية المصرية.


الخروج
 عرف إبراهيم في التناخ بالعبري (سفر التكوين14-13) وعرفت ،أيضا، ذريته بذلك حتى الخروج من مصر.  ومنذ الخروج إلى تقسيم الأمة الموحدة إلى مملكتين بعد وفاة سليمان، فإن الناس كانت تسمى إسرائيل، أو، "بني إسرائيل".  إن تغيير المصطلح يتطابق مع التغيير في طبيعة الناس.  لقد اندمج المنحدرون من قبيلة إبراهيم مع المصريين المنبوذين عندما فروا جميعا من أغلال فرعون (سفر الخروج 38:12) وكونوا مجتمعا موحدا على أساس خبرة المعاناة المشتركة.

 يعتبر خلاص إسرائيل من العبودية المصرية أحد الأفعال الإلهية العظمى المعبرة عن الرحمة لأنه استجاب لصراخ المضطهدين عندما استنجدوا به من الكرب العظيم الذي نزل بهم (سفر الخروج 9:3ـ10)12.  تعاد ذكرى قصة هذا الخلاص كل سنة خلال الاحتفال بعيد الفصح اليهودي (Passover) الذي يخلد هذا الفعل العظيم للرحمة الإلهية.  ويرمز الخروج من مصر إلى إمكان الخلاص البشري الكامل لأنه يمكن إثبات أن الله الذي أنقذ إسرائيل والذين عانوا من العبودية المصرية، فإنه كذلك، سيأتي بالخلاص النهائي للعالم بأسره في آخر الدهر.

الميثاق في سيناء
 يمثل الخروج بداية تكوين شعب إسرائيل ، لكن هذا التكوين لم يكتمل إلا عندما أنزل الله التوراة على جبل سيناء.  فتجربة سيناء، كما تسمى عادة، تمثل أحدى الفواصل الهامة في التاريخ اليهودي، وذلك لأن سيناء هي المكان الذي شاهد فيه كل الشعب اليهودي، الحي منه والذي لم يولد بعد بحسب تقليد، تنزيل الأوامر أو التوراة.  كلهم كانوا متواجدين وسط الرعد والبرق وكل فرد منهم وافق على طاعة أوامر الله بالقول معا:  "سنعمل كل ما أمر به الرب" (الخروج 18:19، 3:24 ، التثنية24:5، 9:29ـ14). وتمثل التوراة، نفسها، آية من عهد سيناء الموسع لأن التوراة تسمى بـ "كتاب العهد" (الخروج 7:24).  في العهد الذي أبرمه الله مع إبراهيم ، كان الختان والامتثال بعمله آية حية للعلاقة الإلهية مع ذرية إبراهيم وفي تأكيد العهد في سيناء، فالتوراة بأكملها والالتزام بأوامرها هي التي أصبحت الآية الحية للعلاقة الإلهية مع كل اللاجئين من مصر الذين أصبحوا أمة إسرائيل.

 تكونت أمة إسرائيل عندما تقبل الناس التوراة الإلهية كمؤسسة مركزية للحياة، ولقد تقبل كل الناس مسؤولية محاولة الالتزام بها، ومن خلال ذلك، وجدوا أنفسهم شعباً وأمة تحت إشراف الله وتحت أوامرة. إن تجربة سيناء هي بمثابة بداية  تكوين دعم إسرائيل ، أي "شعب إسرائيل" أو الأمة الإسرائيلية. كل هذه الألفاظ قريبة من المعنى الذي تدل عليه لفظة الأمة في اللغة العربية، لأن اليهود ينظرون إلى أنفسهم كأمة دينية محكومة بأوامر التوراة التي تؤثر على جميع أوجه الحياة البشرية من الطقوس إلى الأخلاق والشئون الاجتماعية والأسرية والمدنية. وفي سيناء، ولأول مرة في التاريخ البشري، تم إعطاء جزء من البشرية الفرصة الحقيقية للعيش، كما تقتضيه توقعات الإرادة الإلهية لأنها تملك سجل الإرادة الإلهية على شكل قانون العهد (Covenantal Law).  وهذه ليست عملية سهلة بالطبع، وكثيرا ما تشير التوراة إلى الصعوبة التي يواجهها الإسرائيليون في تحقيق المطالب الإلهية . ولكن من وجهة نظر الديانة اليهودية، فبالرغم من أن عدم الالتزام غير مقبول ، إلا أنه لم يلغ العهد، نفسه، أبدا.  يعني هذا أن العهد القائم بين الله واليهود أزلي ولا يمكن إلغاؤه والتراجع عنه أبدا.  إن الذين سوف لا يستطيعون أو أنهم غير قادرين على طاعة أوامر وأحكام العهد فإنهم سيعاقبون، لكن العهد نفسه لن يزول أبدا (التثنية 31:4).

 لقد خاض المفكرون اليهود معركة فكرية مع مسألة اختيار التناخ لبني إسرائيل كالمتسلمين الوحيدين للتوراة.  هل هذه خصوصية وإبعاد؟ هل هذا يعني أن في طبيعة اليهود ما يجعلهم أفضل من أي أمة قومية أخرى؟ هل اليهود شعب أرفع مقاما لأن التوراة نزلت عليهم؟ إن التناخ ، نفسه، لم يعطِ إجابات قاطعة.  فمن جهة، تقول (التثنية 2:14). "إنكم شعب مقدس للرب إلهكم ، وقد اختاركم من بين شعوب الأرض كافة لتكونوا له شعبا خاصا. ومن جهة أخرى ، تقول في عاموس (7:9) "ألستم لي يا بني إسرائيل مثل الكوشيين؟ ألم أخرج إسرائيل من ديار مصر والفلسطينيين من كفتور والأراميين من قير؟"

 إن الكهنة في التلمود، مثل التناخ نفسه، يشعرون بعدم الارتياح للتصور الخصوصي لليهـود في الديانة اليهودية.  يعطي التلمـود، أحيانا ، تفسـيرات مباشـرة لآيات التناخ كما جاء في الرسـالة التلمودية للأب زارة 26 :  ألم يرد في (التـوراة) أن "أقبل الرب من سيناء، وأشرف عليهم من سـعير، وتألـق في جبل فاران "(التثنية 2:33). وورد فيها أيضا: "لقد أقبل الله مـن آدم" (حبقـوق 3: 3 ). ماذا كان الرب يـريده في سـعير وفي جبل فاران؟ يقول الكاهن يوحنان :
 "يعلمنا هذا أن الرب المقدس تبارك وتعالى قد أعطى التوراة لكل أمة ولسان، لكن لم يقبلها أحد حتي جاء إلى إسرائيل التي تقبلتها". ونجد في مكان آخر من التلمود شبها ممتعا للنص القرآني 63:2، 93  و 154:4 "فأخرج موسى الشعب من المخيم للقاء الله، فوقفوا عند سفح الجبل" (التثنية 17:19). يقول حما بن حسا " إن هذا يعلمنا أن الرب المقدس قلب عليهم الجبل رأسا على عقب كبرميل مقلوب وقال لهم: "إذا تقبلتم التوراة ، فذلك حسن، وإذا لم تقبلوها فإن هذا سيكون قبركم." (شبات 88 أ).

 يعترف هذان التفسيران ويؤكدان بأن الشعب الإسرائيلي ليس في طبيعته ما يجعله أفضل من إي أمة أو شعب آخر. والشيء الوحيد الذي يميز بني إسرائيل هو استعدادهم ليكونوا أول من تقبل الأوامر الإلهية والعيش بحسب القانون الرباني.  ففي العهود القديمة ، لا يوجد شعب بحسب علمنا، أخذ على عاتقه التخلي عن الوثنية والعيش في ظل القانون الإلهي.  كان بنو إسرائيل دائما أمة صغيرة محاطة بشعوب وثنية، فلذلك ليس من الغريب ملاحظة أنهم يعيشون بمعزل عن الشعوب التي يعيشون في وسطها.  إن هدف هذا السلوك كان الحفاظ على العقيدة الوحـدانية لبني إسرائيل، لكن هذا الهدف فسـر في الفترة اليونانية ـ الرومانيـة أنه نخبوي (elitist). لم تكن رغبة بني إسرائيل في العيش عن معزل من الشعوب الأخرى نابعة من شعور نخبوي، بقدر ما هي نابعة من سمة البقاء بعيداً عن الانغماس في الوثنية المتفشية التي يمارسها اليونان والرومان وشعوب الحضارات القديمة.

التوراة أحكام للسلوك البشري
 تعني التوراة، حرفيا، التعليم، وتشتمل تعاليم التوراة، تقريبا، على كل السلوك الإنساني الممكن.  ويمكن تقسيم التوراة في العالم الحديث إلى القانون الشعائري، والقانون المدني، والقانون الجنائي ، ومتطلبات الأخلاق والآداب، وتشتمل هذه على التعليمات التفصيلية المتعلقة بموضوعات مختلفة مثل: تقديم القربان الحيواني، ومتى تؤكل بعض الأطعمة الطقوسية، إلى الأزواج المناسبة، والممارسة التجارية، والقواعد العادلة والمناسبة في الأحكام، والقواعد التي تحكم تقبل الأدلة في الاحتكام، ومعاملة غير الإسرائيليين، والعناية بالفقراء والمحتاجين واليتامى والأرامل، ومتى وكيف يحتفى بالأعياد الدينية ونوع الأطعمة المستحبة والممنوعة، وكيف تعالج بعض الأمراض، وكيفية توزيع التركة... وهلم جرا.  وردت التعليمات في عدد من الأجزاء المختلفة داخل الأسفار الخمسة للتوراة المعروفة " بالتوراة " (وبعض الأحيان تعرف بالخوماش، أي خمسة).  وترد التعليمات إما على شكل أوامر إيجابية (الواجب القيام به) أو على شكل أوامر سلبية (ما يجب اجتنابه). وهذه الكتب الخمسة هي: التكوين، والخروج، واللاويون، والعدد، والتثنية، وتشكل هذه الكتبَ الوحيدة في التوراة التي يعتبرها التقليد اليهودي منزلة على كل بني إسرائيل في جبل سيناء.  وتعتبر بقية الكتب التسعة عشر في التناخ اليهودي أيضا مقدسة، إلا أنها لم تصل إلى درجة قداسة الأسفار الخمسة الأولى.

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً
  

   تمهيد : دافيد .هاريس
   مقدمة المؤلف
   الجزء الأول:  مسح التاريخ اليهودي 
   الفصل الأول:الجذور
   الفصل الثاني:التعزير والشتات
   الفصل الثالث:  يهودية الأحبار (الحاخامين)، التلمود وعالم القرون الوسطى
   الفصل الرابع: الديانة اليهودية والحداثة- أوروباالغربية
   الفصل الخامس: اليهودية والحداثة: أوروبا الشرقية
   الجزء الثاني:  الله والتوراة وإسرائيل
   الفصل السادس: الله
   الفصل السابع: التوراة
   الفصل الثامن: إسرائيل
   الفصل التاسع:  الصلاة
   الفصل العاشر: المعبد اليهودي والبيت
   الفصل الحادي عشر: التقويم
   الفصل الثاني عشر: مدار الحياة اليهودية
   الفصل الثالث عشر: الالتزام الشخصي
   الجزء الرابع: مصير الإنسان
   الفصل الرابع عشر: احتمالات وهدف
   الفصل الخامس عشر: الخاتمةاليهود في جدول أحداث التاريخالمراجع والملاحظات
   الديانة اليهودية
   الأعياد اليهودية
   النصوص اليهودية المقدسة
   أدوات طقوس يهودية
   
 
   
 
     الردود (feedback) | خارطة الموقع